كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾؛ وذلك أنِّهم وَحَمُوا الْمَنَّ والسَّلوى وملُّوهما. قال الحسنُ: كَانُواْ أُنَاساً أهْلَ كُرَاشٍ؛ كُرَّاثٍ؛ وَأبْصَالٍ؛ وَأعْدَاسٍ؛ فَفَزِعُواْ إلَى عِكْرِهِمْ عِكْرَ السُّوءِ؛ وَاشْتَاقَتْ طَبَائِعُهُمْ إلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَاتُهُمْ؛ فقالوا: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ يعنون به المنَّ والسلوى. وإنما قال: ﴿طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وهما اثنان؛ لأن العربَ تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد؛ وعن الواحد بلفظ الاثنين؛ كقولهِ تعالى:﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾[الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجُ من الملح دون العَذْب. وقال عبدُالرحمن بن يزيد: (كَانُواْ يَعْجِنُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لِيَصِيْرَ طَعَاماً وَاحِداً فَيَأْكُلُونَهُ). قَوْلُهُ تَعَالىَ: ﴿فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾، قرأ يحيى بن وثَّاب وطلحة بن مصرف: (وَقُثَائِهَا) بضم القاف، وهي لغة تميم. قوله تعالى ﴿وَفُومِهَا﴾؛ قال ابن عباس: (الْفُومُ: الْخُبْزُ) تَقُولُ الْعَرَبُ: فُومُو لَنَا؛ أيِ اخْبِزُواْ لَنَا. وَيُقَالُ لِسَائِرِ الْحُبُوب الَّتِي تُخْتَبَزُ: الْفُومُ. يقول الرجلُ لجاريته: فُومي؛ أي اختبزي. وقال عطاء: هِيَ الْحِنْطَةُ؛ وهي لغةٌ قديمة. وقال الكلبي: هُوَ الثُّومُ. قال حسَّان: وَأنْتُمْ أُنَاسٌ لِئَامُ الأُصُولِ   طَعَامُكُمُ الْفُومُ وَالْحَوْقَلُيريد: الثومَ والبصل. والعربُ تعاقب بين الفاء والثاءِ. فتقول للحقيرِ: حدثُ وحدفُ؛ ودليل هذا التأويل أنَّها في مصحف عبدالله: (وَثُومِهَا) بالثاء. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾؛ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" عَلَيْكُمْ بالْعَدَسِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ مُقَدَّسٌ؛ وَإنَّهُ يُرِقُّ الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الدَّمْعَ، وَإنَّهُ بَارَكَ فِيْهِ سَبْعُونَ نَبيّاً آخِرُهُمْ عِيْسَى عليه السلام "فَقَالَ لَهم موسَى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
وفي مصحف أُبَيّ: (أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أدْنَى) أي أخَسُّ وأرْدَى (بالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) يعني المنَّ والسَّلوى. وقولهُ تعالَى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾؛ معناه إنْ أبَيْتُمْ إلا ذلك فاهبطوا مصراً من الأمصار؛ ولو أراد مصراً بعينها لم يصرفه كقوله تعالى:﴿ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾[يوسف: ٩٩].
وقال الضحَّاك: (هِيَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ). ودليلُ هذا القول قراءةُ الحسن وطلحة: (مِصْرَ) بغيرِ تنوينٍ جعلاَها معرفةً؛ فاجتمع فيها التعريفُ والتأنيثُ من حيث أراد البقعةَ فلم ينصرف. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾؛ أي الذلُّ والهوانُ بالجزيةِ.
﴿وَٱلْمَسْكَنَةُ﴾؛ أي زيُّ الفقر فتراهم كأَنَّهم فقراء وإن كانوا مياسير. وقيل: فُقرَاءُ القَبَلِ فلا يُرَى في أهلِ الملل أذلَّ ولا أحرصَ على المالِ من اليَهُودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾؛ أي رجعوا؛ وقيل: استحقُّوا، والباء صلةٌ. وقيل: احتمَلُوا واقروا به، ومنهُ الدعاء المأثور: [أبُوءُ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ؛ وَأبُوءُ بذَنْبي].
وغضبُ الله عليهم: ذَمُّهُ إياهم وتوعُّده لهم في الدنيا، وإنزالُ العقوبة بهم العقبى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي ذلك الغضبُ؛ ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي بصفة مُحَمَّدٍ وآية الرجمِ في التوراة والإنجيل والفُرْقَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ قرأ السلمي: (وَيُقَتِّلُونَ) بالتشديد؛ و(النَّبيِّينَ) في جميع القُرْآنِ بالتشديدِ من غيرِ همزةٍ، وتفرَّدَ نافع بهمزِ (النَّبيْئِيْنَ) فمن هَمَزَ فمعناهُ: الْمُخْبرُ؛ من قولِ العرب: أنْبَأَ يُنْبئُ إِنْبَاءً، ومَن حذفَ الهمزة؛ فإنه أرادهُ، لكن حَذْفُهُ الهمزةَ طلباً للخَفَّة؛ لكثرةِ استعمالها. وَقَِيْلَ: لأنه بمعنى الرَّفيعِ مأخوذ من النبوَّة وهي المكانُ المرتفع. قال: نَبَا الشيءُ بغيرِ همزٍ إذا ارتفعَ. وقولهُ تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ أي بلا جُرمٍ مثل زكريَّا ويحيى وسائر من قتلَ اليهودُ من الأنبياءِ. وفي الخبرِ:" أنَّ اليهودَ قتلوا سبعين نبيّاً في أوَّل النهار، وقامت سُوقُ بَقْلِهِمْ في آخر النهار. وقيل: قتلُوا في يومٍ واحد ثلاثَمائة نبيٍّ "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾؛ أي يتجاوزون أمْرِي ويرتكبون مَحارمي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى