فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١].
إن قلتَ : كيف قالوا :﴿عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وطعامهم كان طعامين " المَنُّ " و " السَّلوى " ؟.
قلتُ : المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل(١)، أو بالطعامين أنهما ضرب واحد، لأنهما من طعام أهل التلذّذ والتّرف، أو أنهما كانا يؤكلان مختلطين.
قوله تعالى :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]. عرّف الحق هنا، ونكّره في " آل عمران " (٢) و " النساء "   ! لأن ما هنا لكونه وقع أولا إشارة إلى " الحق " الذي أذن الله أن يقتل النفس به، وهو قوله :﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] فكان التعريف أولى، وهناك أُريد به " بغير الحق " (٣) في معتقدهم ودينهم، فكان بالتنكير أولى.
فإن قلتَ : قتل النبيين لا يكون إلا بغير الحقّ، فما فائدة ذلك ؟
قلتُ : فائدته التصريح بصفة فعلهم القبيح، لأنه أبلغ في الشناعة. (٤)
فإن قلتَ : لِمَ مكّن الكافرين من قتل الأنبياء ؟
قلتُ : كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمن يقتل في الجهاد من المؤمنين. (٥)
١ - ما أشار إليه أولا هو القول الأظهر أي أنه لا يتبدّل ولا يختلف، كقول العرب: طعام الأمير واحد، أي أنه دائما جيد مفتخر، مع أنه ألوان وأشكال..
٢ - في قوله تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق.. ﴾ آل عمران: ٢١..
٣ - في قوله تعالى: ﴿وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾ النساء: ١٥٥..
٤ - أقول: لو قتل اليهود أحد المؤمنين لكان في منتهى الإجرام والشناعة، فكيف بقتلهم الأنبياء والمرسلين ؟ ولذلك شنّع عليهم القرآن الكريم..
٥ - ليس في قتل الأنبياء ما يعارض وعد الله لهم بالنصر في قوله: ﴿إنا للنصر رسلنا﴾ وقوله: ﴿إنهم لهم المنصورون﴾ فالقتل كرامة من الله لهم لينالوا ثواب الشهداء، والنصر إنما هو بغلبة الحجة، وانتشار دينهم، وانتصار مبادئهم، وقهر عدوهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى