التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة جليلة، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها : وحذرتهم عاقبة الإِفساد في الأرض وجحودهم النعمى واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير :
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم - بسوء اختيارهم - ما هو أدنى على ما هو خير، فقال تعالى :
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ...﴾
الصبر : حبس النفس على الشيء، بمعنى إلزامها إياه، ومنه الصبر على الطاعات، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر عن المعاصي. والطعام : ما رزقوه في التيه من المن والسولى : والبقل : ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والقوم : قيل هو الثوم، وقيل هو الحنطة. والقثاء : نوع من المأكولات أكبر حجماً من ( الخيار ).
قال ابن جرير :( وكان سبب مسألتهم موسى - عليه السلام - ذلك فيما بلغنا عن قتادة أنه قال : كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى : فملوا ذلك وذكروا عيشاً كان لهم بمصر، فسألوه موسى، فقال الله تعالى :﴿اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾.
ثم ساق ابن جرير رواية، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن في البرية بل كان في التيه فقال : حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب قال : أنبأنا. ابن زيد قال :
" كان طعام بني إسرائيل في التيه واحداً، وشرابهم واحداً. كان شرابهم عسلاً ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزاً ولا غيره، فقالوا يا موسى :﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ : " لما سئموا من الإِقامة في التيه. والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها، وعن العوائد التي عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم ".
وقال صاحب الكشاف : " كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم - فأجموا - أي ملوا وكرهوا - ما كانوا فيه من النعمى وطلبت أنفسهم عدم البقاء ﴿على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ أرادوا ما رزقوه في التيه من المن والسلوى ".
ومعنى الآية الكريمة إجمالاً : وذاكروا يا بني إسرائيل بعد أن أسبغنا عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم، وفساد أذواقكم، وإعناتكم لنبيهم موسى - عليه السلام - حيث قالوا له ببطر وسوء أدب : لن نصبر على طعام المن والسلوى في كل وقت، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها، لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى، فوبخهم نبيهم موسى - عليه السلام - بقوله : أتختارون الذي هو أقل فائدة وأدنى لذة، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة ؟ انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها.
وأحاطت ببني إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه، وحق عليهم غضب الله.
ثم بين الله - تعالى - السبب في جحودهم للنعم وفي أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله :
﴿ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلخ أي : إن الكفر بآيات الله قد تأصل فيهم، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية والسجية الثابتة، فليس غريباً على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم.
وقوله تعالى :﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ تذكير لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمى قدرها، وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودي منها، وانسياقهم وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم، وفيه إشعار بسوء أدبهم في مخاطبتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - إذ عبروا عن عدم رغبتهم في تناول المن والسلوى بحرف ﴿لَن﴾ المفيد تأكيد النفي فقالوا :﴿لَن نَّصْبِرَ﴾.. إلخ فكأنهم يقولن له مهددين، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعاً : إننا ابتداء من هذا الوقت الذي نخاطبك فيه إلى أن نموت، لن نحبس أنفسنا عن كراهية على تناول طعام واحد، لأننا قد سئمناه ومللناه، ولن نعود إليه : فالتعبير " بلن " يشعر بشدة ضجرهم، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها.
قال الحسن البصري - رضي الله عنه - : " بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوماً أهل أعداس وبصل وبقل وثوم ".
ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان، لأنهم أرادوا من الوحدة أنه طعام متكرر في كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات، والعرب تقول لمن يفعل على مائدته في كل يوم من الطعام أنواعاً لا تتغير، إنه يأكل من طعام واحد.
وسألوا موسى - عليه السلام - أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم، وكذلك دعاء الصالحين، حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله، فيلاقى من الإِجابة ما لا يلاقيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات، وتستولي عليها السيئات.
وقولهم :﴿فادع لَنَا رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا ربنا، لعدم رسوخ الإِيمان في قلوبهم، ولأنه سبحانه - قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكميله وإيتائه التوراة.
وقولهم :﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ هو مضمون ما طلبوه من موسى - عليه السلام - وهو في معنى مقول قول محذوف والتقدير : أي قل لربك يخرج لنا.
وجاء التعبير بالفعل ﴿يُخْرِجْ﴾ مجزوماً - مع أن مقتضى الظاهر أن يقال : " أن يخرج - للإِيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه، حتى لكأن إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه، وأنه لو لم يدع لهم، لكان شحيحاً عليهم بما فيه نفعهم.
والجملة الكريمة :﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ من مقول موسى - عليه السلام - لهم، وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم، وضعف عقولهم. لإِيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه، على ما هور خير منه وهو المن والسلوى.
قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة : " أي قال لهم موسى : أتاخذون الذي هو أخس خطراً وقيمة وقدراً من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطراًٍ وقيمة وقدراً، وذلك كان استبدالهم، وأصل الاستبدال : هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك، ومعنى قوله :﴿أدنى﴾ أخس وأضع وأصغر قدراً وخطراً، وأصله من قولهم : هذا رجل دنى بين الدناءة، وإنه ليدنى في الأمور - بغير همز - إذ كان يتتبع خسيسها. ثم قال : ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى : البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه ".
ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخاً آخر فقال لهم :﴿اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ أي إذا كان هذا هو مرغوبكم، فاتركوا هذا المكان، وأنزلوا إلى مصر من الأمصار، لكي تجدوا ما سألتموني إياه من البقل والثوم وأشباههما، لأن ما اخترتموه لا يوجد في المكان الذي حللتم به، وإنما يوجد في الأمصار والقرى.
وقوله تعالى :﴿مِصْراً﴾.
قال ابن كثير : " هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف ".
وقال ابن جرير : " فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء على ذلك.. " اه.
وقال أبو حيان في البحر : " وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب ( مصر ) بغير تنوين، وقد وردت كذلك في مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، وبعض مصاحف عثمان - رضي الله عنه " اه.
والمعنى على القراءة الأولى : اهبطوا مصر من الأمصار لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش.
والمعنى على القراءة الثانية : اتركوا المكان الذي أنتم فيه، واهبطوا مصر التي كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه، لأنكم قوم لا تقدرون نعمة الحرية، ولا ترتاحوا للفضائل النفسية، بل شأنكم - دائماً - أن تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر في الآية الكريمة، مصر فرعون، قوله تعالى في سورة الشعراء ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ وقوله تعالى في سورة الدخان :
﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ قالوا : فأخبر الله - تعالى - أنه قد ورثهم ذلك، وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها، ثم لا ينتفعون بها، ولا يكونون منتفعين إلا بمصر بعضهم إليها.
قال ابن جرير : " ومن حجة من قال إن الله - إنما عني بقوله :﴿اهبطوا مِصْراً﴾ أي : مصراً من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله - تعالى - جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم بالتيه. فامتناعهم عن موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى :﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فحرم الله - تعالى - على قائل ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة. ثم أهبط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع " يوشع بن نون " بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا أن الله - تعالى - قد اخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ ونتأوله أنه ردهم إليها. قالوا : فإن احتج محتج بقوله تعالى :﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ قيل لهم : فإن الله - تعالى - إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها. ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام " اه.
قال أبو حيان في البحر :( ولم يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا من التيه إلى مصر ) اه.
ومع أن ابن جرير - رحمه الله - قد رد على من قال، إن المراد بالمصر مصر فرعون : استناداً إلى قراءة غير الجمهور، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين فقد قال :( والذي نقول به في ذلك، أنه لا دلالة في كتاب الله - تعالى - عل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى