البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الطعام : اسم لما يطعم، كالعطاء، اسم لما يعطي، وهو جنس.
الواحد : هو الذي لا يتبعض، والذي لا يضم إليه ثان.
يقال : وحد يحد وحداً وحدة إذا انفرد.
الدعاء : التصويت باسم المدعوّ على سبيل النداء، والفعل منه دعا يدعو دعاء.
الإنبات : الهمزة فيه للنقل، وهو : الإخراج لما شأنه النمو.
البقل : جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والبهائم، يقال منه بقلت الأرض وأبقلت : أي صارت ذات بقل، ومنه : الباقلاء، قاله ابن دريد.
القثاء : اسم جنس واحدة قثاءة، بضم القاف وكسرها، وهو هذا المعروف.
وقال الخليل : هو الخيار، ويقال : أرض مقثأة : أي كثيرة القثاء.
الفوم، قال الكسائي والفراء والنضر بن شميل أمية بن وغيرهم : هو الثوم، أبدلت الثاء فاء، كما قالوا، في مغفور : مغثور، وفي جدث : جدف، وفي عاثور : عافور.
قال الصلت :
وأنشد مؤرج لحسان :
يعني : الفوم والبصل، وهذا كما أبدلوا بالفاء الثاء، قالوا في الأثافي : الأثاثي، وكلا البدلين لا ينقاس، أعني إبدال الثاء فاء والفاء ثاء.
وقال أبو مالك وجماعة : الفوم : الحنطة، ومنه قول أحيحة بن الجلاح :
قيل : وهي لغة مصر، وهو اختيار المبرد.
وقال الفراء : وهي لغة قديمة.
وقال ابن قتيبة والزجاج : هي الحبوب التي تؤكل.
وقال أبو عبيدة وابن دريد : هي السنبلة، زاد أبو عبيدة بلغة أسد.
وقيل : الحبوب التي تخبز.
وقيل : الخبز، تقول العرب : فوموا لنا، أي اخبزوا، واختاره ابن قتيبة قال :
وقال قطرب : الفوم : كل عقدة في البصل، وكل قطعة عظيمة في اللحم، وكل لقمة كبيرة.
وقيل : إنه الحمص، وهي لغة شامية، ويقال لبائعه : فامي، مغير عن فومي للنسب، كما قالوا : شهلي ودهري.
العدس : معروف، وعدس وعدس من الأسماء الأعلام، وعدس : زجر للبغل.
البصل : معروف.
أدنى : أفعل التفضيل من الدنوّ، وهو القرب، يقال : منه دنا يدنو دنواً.
وقال علي بن سليمان الأخفش : هو أفعل من الدناءة، وهي : الخسة والرداءة، خففت الهمزة بإبدالها ألفاً.
وقال أبو زيد في المهموز : دنؤ الرجل، يدنأ دناءة ودناء، ودنأ يدنأ.
وقال غيره : هو أفعل من الدون، أي أحط في المنزلة، وأصله أدون، فاصر وزنه : أفلع، نحو : أولى لك، هو أفعل من الويل، أصله أويل فقلب.
المصر : البلد، مشتق من مصرت الشاة، أمصرها مصراً : حلبت كل شيء في ضرعها، وقيل المصر : الحد بين الأرضين، وهجر يكتبون : اشترى الدار بمصورها : أي بحدودها.
وقال عديّ بن زيد :
السؤال : الطلب، ويقال : سأل يسأل سؤالاً، والسؤل : المطلوب، وسال يسال : على وزن خاف يخاف، ويجوز تعليق فعله وإن لم يكن من أفعال القلوب.
﴿سلهم أيّهم بذلك زعيم﴾، قالوا : لأن السؤال سبب إلى العلم فأجرى مجرى العلم.
الذلة : مصدر ذلّ يذلّ ذلة وذلاً، وقيل : الذلة كأنها هيئة من الذل، كالجلسة، والذل : الخضوع وذهاب الصعوبة.
المسكنة : مفعلة من السكون، ومنه سمى المسكين لقلة حركاته وفتور نشاطه، وقد بنى من لفظه فعل، قالوا : تمسكن، كما قالوا : تمدرع من المدرعة، وقد طعن على هذا النقل وقيل : لا يصح وإنما الذي صح تسكن وتدرّع.
باء بكذا : أي رجع، قاله الكسائي : أو اعترف، قاله أبو عبيدة، واستحق، قاله أبو روق ؛ أو نزل وتمكن، قاله المبرد ؛ أو تساوى، قاله الزجاج، وأنشدوا لكل قول ما يستدل به أمن كلام العرب، وحذفنا نحن ذلك.
النبيء : مهموز من أنبأ، فعيل : بمعنى مفعل، كسميع من أسمع، وجمع على النبآء، ومصدره النبوءة، وتنبأ مسيلمة، كل ذلك دليل على أن اللام همزة.
وحكى الزهراوي أنه يقال : نبؤ، إذا ظهر فهو نبىء، وبذلك سمي الطريق الظاهر : نبيئاً.
فعلى هذا هو فعيل اسم فاعل من فعل، كشريف من شرف، ومن لم يهمز فقيل أصله الهمز، ثم سهل.
وقيل : مشتق من نبا ينبو، إذا ظهر وارتفع، قالوا : والنبي : الطريق الظاهر، قال الشاعر :
قال الكسائي : النبي : الطريق، سمي به لأنه يهتدي به، قالوا : وبه سمي الرسول لأنه طريق إلى الله تعالى.
العصيان : عدم الانقياد للأمر والنهي والفعل، منه : عصى يعصي، وقد جاء العصى في معنى العصيان.
أنشد بن حماد في تعليقه عن أبي الحسن بن الباذش مما أنشده الفراء :
في طاعة الرب وعصى الشيطان***
الاعتداء : افتعال من العدو، وقد مرّ شرحه عند قوله :﴿بعضكم لبعض عدوّ﴾
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾ : لما سئموا من الإقامة في التيه، والمواظبة على مأكول واحد، لبعدهم عن الأرض التي ألفوها، وعن العوائد التي عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك وتشوفهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم.
وأكثر أهل الظاهر من المفسرين على أن هذا السؤال كان معصية، قالوا : لأنهم كرهوا إنزال المن والسلوى، وتلك الكراهة معصية، ولأن موسى وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير، وبأن قوله :﴿أتستبدلون﴾ هو على سبيل الإنكار.
والجواب، أن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ لا يدل على عدم الرضا به فقط، بل اشتهوا أشياء أخر.
وأما الإنكار فلأنه قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا، أو الأنفع في الآخرة.
وأما الخيرية فسيأتي الكلام فيها، وإنما كان سؤالاً مباحاً، والدليل عليه أن قوله :﴿كلوا واشربوا﴾ من قبل هذه الآية، عند إنزال المن وتفجير العين ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ معصية لأن من أبيح له صنوف من الطعام يحسن منه أن يسأل غيرها، إما بنفسه أو على لسان الرسول.
ولما كان سؤال النبي أقرب للإجابة، سألوه عن ذلك، ولأن النوع الواحد أربعين سنة يمل ويشتهي إذ ذاك غيره، ولأنهم ما تعودوا ذلك النوع.
ورغبة الإنسان فيما اعتاده، وإن كان خسيساً، فوق رغبة ما لم يعتده، وإن كان شريفاً، ولأن ذلك يكون سبباً لانتقالهم عن التيه الذي ملوه، لأن تلك الأطعمة لا توجد فيه، فأرادوا الحلول بغيره، ولأن المواظبة على طعام واحد سبب لنقص الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة، والاستكثار من الأنواع بعكس ذلك.
فثبت بهذا أن تبديل نوع بنوع يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أنه لا يجوز أن يكون معصية.
ومما يؤكد ذلك قوله :﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾ هو كالإجابة لما طلبوا.
ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ووصف الطعام بواحد، وإن كان طعامين، لأنه المنّ والسلوى اللذان رزقوهما في التيه، لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عديدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل : لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً، يراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف.
ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والسرف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة، كالحبوب والبقول ونحوهما.
ذكر هذين الوجهين في معنى الواحد الزمخشري.
وقيل : أعاد على لفظ الطعام من حيث أنه مفرد لا على معناه.
وقيل : كانوا يأكلون المن والسلوى مختلطين، فيصير بمنزلة اللون الذي يجمع أشياء ويسمى لوناً واحداً، قاله ابن زيد.
وقيل : كان طعامهم يأتيهم بصفة الوحدة، نزل عليهم المن فأكلوا منه مدة حتى سئموه وملوه، ثم انقطع عنهم، فأنزل عليهم السلوى فأكلوها مدة وحدها.
وقيل : أرادوا بالطعام الواحد السلوى، لأن المن كان شراباً، أو شيئاً يتحلون به، وما كانوا يعدون طعاماً إلا السلوى.
وقيل : عبر عنهما بالواحد، كما عبر بالاثنين عن الواحد نحو :﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب.
وقيل : قالوا ذلك عند نزول أحدهما.
وقيل : معناه لن نصبر على أننا كلنا أغنياء، فلا يستعين بعضنا ببعض، ويكون قد كنى بالطعام الواحد عن كونهم نوعاً واحداً، وهو كونهم ذوي غنى، فلا يخدم بعضهم بعضاً، وكذلك كانوا في التيه، فلما خرجوا منه عادوا لما كانوا عليه من فقر بعض وغنى بعض.
فهذه تسعة أقوال في معنى قوله :﴿على طعام واحد﴾.
﴿فادع لنا ربك﴾ : معناه : اسأله لنا، ومتعلق الدعاء محذوف، أي ادع لنا ربك بأن يخرج كذا وكذا.
ولغة بني عامر : فادع بكسر العين، جعلوا دعا من ذوات الياء، كرمى يرمي، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم بما اقترحوه ولم يدعوا هم، لأن إجابة الأنبياء أقرب من إجابة غيرهم، ولذلك قالوا : ربك، ولم يقولوا : ربنا، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإتيانه التوراة، فكأنهم قالوا : ادع لنا الذي هو محسن لك، فكما أحسن إليك في أشياء، كذلك نرجو أن يحسن إلينا في إجابة دعائك.
﴿يخرج لنا﴾ : جزمه على جواب الأمر الذي هو ادع، وقد مر نظيره في ﴿أوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ وقيل : ثم محذوف تقديره : وقل له اخرج فيخرج، مجزوم على جواب هذا الأمر الذي هو اخرج.
وقيل : جزم يخرج بلام مضمرة، وهي لام الطلب، أي ليخرج، وهذا عند البصريين لا يجوز.
﴿مما تنبت الأرض﴾ : مفعول يخرج محذوف ومن تبعيضة : أي مأكولاً مما تنبت، هذا على مذهب سيبويه.
وقال الأخفش : من زائدة، التقدير : ما تنبت، وما موصولة، والعائد محذوف تقديره، تنبته، وفيه شروط جواز الحذف، وأجاز بعضهم أن تكون ما مصدرية تقديره : من إنبات الأرض.
قال أبو البقاء : لا يجوز ذلك لأن المفعول المقدر لا يوصف بالإنبات، لأن الإنبات مصدر، والمحذوف جوهر، وإضافة الإنبات إلى الأرض مجاز، إذ المنبت هو الله تعالى، لكنه لما جعل فيها قابلية الإنبات نسب الإنبات إليها.
﴿من بقلها﴾ : هذا بدل من قوله :﴿مما تنبت الأرض﴾، على إعادة حرف الجرّ، وهو فصيح في الكلام، أعني أن يعاد حرف الجرّ في البدل.
فمن على هذا التقدير تبعيضية، كهي في مما تنبت، ويتعلق بيخرج، إمّا الأولى، وإمّا أخرى مقدّرة على الخلاف الذي في العامل في البدل، هل هو العامل الأول، أو ذلك على تكرار العامل ؟ والمشهور هذا الثاني، وأجاز المهدويّ أيضاً، وابن عطية، وأبو البقاء أن تكون من في قوله :﴿من بقلها﴾ لبيان الجنس، وعبر عنها المهدويّ بأنها للتخصيص، ثم اختلفوا، فقال أبو البقاء : موضعها نصب على الحال من الضمير المحذوف تقديره : مما تنبته الأرض كائناً من بقلها، وقدّم ذكر هذا الوجه قال : ويجوز أن تكون بدلاً من ما الأولى بإعادة حرف الجر.
وأما المهدوي، وابن عطية فزعما مع قولهما : إن من في ﴿من بقلها﴾ بدل من قوله :﴿مما تنبت﴾، وذلك لأن من في ق
وقد تضمنت هذه الآيات من لطائف الامتنان وغرائب الإحسان لبني إسرائيل فصولاً، منها : أنهم أمروا بدخول القرية التي بها يتحصنون، والأكل من ثمراتها ما يشتهون، ثم كلفوا النزر من العمل والقول، وهو دخول بابها ساجدين، ونطقهم بلفظة واحدة تائبين، ورتب على هذا النزر غفران جرائمهم العظيمة وخطاياهم الجسيمة، فخالفوا في الأمرين فعلاً وقولاً، جرياً على عادتهم في عدم الامتثال، فعاقبهم على ذلك بأشد النكال.
ثم ذكر تعالى ما كان عليه موسى عليه السلام من العطف عليهم وسؤال الخير لهم، وذلك بأن دعا الله لهم بالسقيا، فأحاله على فعل نفسه بأن أنشأ لهم، من قرع الصفا بالعصا، عيوناً يجري بها ما يكفيهم من الماء، معيناً على الوصف الذي ذكره تعالى من كون تلك العيون على عدد الأسباط، حتى لا يقع منهم مشاحة ولا مغالبة، وأعلمهم بأن ذلك منه رزق، وأمروا بالأكل منه والشرب، ثم نهوا عن الفساد، إذ هو سبب لقطع الرزق.
ثم ذكر تعالى تبرمهم من الرزق الذي امتن به عليهم، فلجوا في طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم فقالوا :﴿ادع لنا ربك﴾، وذلك جري على عادته معهم، إذ كان يناجي ربه فيما كان عائداً عليهم بصلاح دينهم ودنياهم، وذكر توبيخه لهم على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس، وبما لا نصب في اكتسابه ما فيه العناء الشاق، إذ ما طلبوه يحتاج إلى استفراغ أوقاتهم المعدة لعبادة ربهم في تحصيله، ومع ذلك فصارت أغذية مضرة مؤذية جالبة أخلاطاً رديئة، ينشأ عنها طمس أنوار الأبصار والبصائر، بخلاف ما رزقهم الله، إذ هو شيء واحد جيد، ينشأ عنه صحة البدن وجودة الإدراك.
كان الخليل بن أحمد، رحمه الله، يستف دقيق الشعير، ويشرب عليه الماء العذب، وكان ذهنه أشرق أذهان أهل زمانه، وكان قوي البدن يغزو سنة ويحج أخرى.
ثم أمروا بالحلول فيما فيه مطلبهم والهبوط إلى معدن ما سألوه، ثم أخبر تعالى بما عاقبهم به من جعلهم أذلاء مساكين ومبائتهم بغضبه، وإن ذلك متسبب عن كفرهم بالآيات التي هي سبب الإيمان، لما احتوت عليه من الخوارق التي أعجزت الإنس والجان، وعن قتلهم من كان سبباً لهدايتهم، وهم الأنبياء، إذ باتباعهم يحصل العز في الدنيا والفوز في الأخرى، وأن الذي جرّ الكفر والقتل إليهم هو العصيان والاعتداء اللذان كانا سبقاً منهم قبل تعاطي الكفر والقتل.
وقال :
والشر تحقره وقد ينمى***
الواحد : هو الذي لا يتبعض، والذي لا يضم إليه ثان.
يقال : وحد يحد وحداً وحدة إذا انفرد.
الدعاء : التصويت باسم المدعوّ على سبيل النداء، والفعل منه دعا يدعو دعاء.
الإنبات : الهمزة فيه للنقل، وهو : الإخراج لما شأنه النمو.
البقل : جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والبهائم، يقال منه بقلت الأرض وأبقلت : أي صارت ذات بقل، ومنه : الباقلاء، قاله ابن دريد.
القثاء : اسم جنس واحدة قثاءة، بضم القاف وكسرها، وهو هذا المعروف.
وقال الخليل : هو الخيار، ويقال : أرض مقثأة : أي كثيرة القثاء.
الفوم، قال الكسائي والفراء والنضر بن شميل أمية بن وغيرهم : هو الثوم، أبدلت الثاء فاء، كما قالوا، في مغفور : مغثور، وفي جدث : جدف، وفي عاثور : عافور.
قال الصلت :
| كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة | فيها القراديس والفومان والبصل |
| وأنتم أناس لئام الأصول | طعامكم الفوم والحوقل |
وقال أبو مالك وجماعة : الفوم : الحنطة، ومنه قول أحيحة بن الجلاح :
| قد كنت أحسبني كأغنى واحد | قدم المدينة عن زراعة فوم |
وقال الفراء : وهي لغة قديمة.
وقال ابن قتيبة والزجاج : هي الحبوب التي تؤكل.
وقال أبو عبيدة وابن دريد : هي السنبلة، زاد أبو عبيدة بلغة أسد.
وقيل : الحبوب التي تخبز.
وقيل : الخبز، تقول العرب : فوموا لنا، أي اخبزوا، واختاره ابن قتيبة قال :
| تلتقم الفالح لم يفوّم | تقمماً زاد على التقمم |
وقيل : إنه الحمص، وهي لغة شامية، ويقال لبائعه : فامي، مغير عن فومي للنسب، كما قالوا : شهلي ودهري.
العدس : معروف، وعدس وعدس من الأسماء الأعلام، وعدس : زجر للبغل.
البصل : معروف.
أدنى : أفعل التفضيل من الدنوّ، وهو القرب، يقال : منه دنا يدنو دنواً.
وقال علي بن سليمان الأخفش : هو أفعل من الدناءة، وهي : الخسة والرداءة، خففت الهمزة بإبدالها ألفاً.
وقال أبو زيد في المهموز : دنؤ الرجل، يدنأ دناءة ودناء، ودنأ يدنأ.
وقال غيره : هو أفعل من الدون، أي أحط في المنزلة، وأصله أدون، فاصر وزنه : أفلع، نحو : أولى لك، هو أفعل من الويل، أصله أويل فقلب.
المصر : البلد، مشتق من مصرت الشاة، أمصرها مصراً : حلبت كل شيء في ضرعها، وقيل المصر : الحد بين الأرضين، وهجر يكتبون : اشترى الدار بمصورها : أي بحدودها.
وقال عديّ بن زيد :
| وجاعل الشمس مصراً لا خفاء به | بين النهار وبين الليل قد فصلا |
﴿سلهم أيّهم بذلك زعيم﴾، قالوا : لأن السؤال سبب إلى العلم فأجرى مجرى العلم.
الذلة : مصدر ذلّ يذلّ ذلة وذلاً، وقيل : الذلة كأنها هيئة من الذل، كالجلسة، والذل : الخضوع وذهاب الصعوبة.
المسكنة : مفعلة من السكون، ومنه سمى المسكين لقلة حركاته وفتور نشاطه، وقد بنى من لفظه فعل، قالوا : تمسكن، كما قالوا : تمدرع من المدرعة، وقد طعن على هذا النقل وقيل : لا يصح وإنما الذي صح تسكن وتدرّع.
باء بكذا : أي رجع، قاله الكسائي : أو اعترف، قاله أبو عبيدة، واستحق، قاله أبو روق ؛ أو نزل وتمكن، قاله المبرد ؛ أو تساوى، قاله الزجاج، وأنشدوا لكل قول ما يستدل به أمن كلام العرب، وحذفنا نحن ذلك.
النبيء : مهموز من أنبأ، فعيل : بمعنى مفعل، كسميع من أسمع، وجمع على النبآء، ومصدره النبوءة، وتنبأ مسيلمة، كل ذلك دليل على أن اللام همزة.
وحكى الزهراوي أنه يقال : نبؤ، إذا ظهر فهو نبىء، وبذلك سمي الطريق الظاهر : نبيئاً.
فعلى هذا هو فعيل اسم فاعل من فعل، كشريف من شرف، ومن لم يهمز فقيل أصله الهمز، ثم سهل.
وقيل : مشتق من نبا ينبو، إذا ظهر وارتفع، قالوا : والنبي : الطريق الظاهر، قال الشاعر :
| لما وردن نبياً واستتب بنا | مسحنفر لخطوط المسح منسحل |
العصيان : عدم الانقياد للأمر والنهي والفعل، منه : عصى يعصي، وقد جاء العصى في معنى العصيان.
أنشد بن حماد في تعليقه عن أبي الحسن بن الباذش مما أنشده الفراء :
في طاعة الرب وعصى الشيطان***
الاعتداء : افتعال من العدو، وقد مرّ شرحه عند قوله :﴿بعضكم لبعض عدوّ﴾
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾ : لما سئموا من الإقامة في التيه، والمواظبة على مأكول واحد، لبعدهم عن الأرض التي ألفوها، وعن العوائد التي عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك وتشوفهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم.
وأكثر أهل الظاهر من المفسرين على أن هذا السؤال كان معصية، قالوا : لأنهم كرهوا إنزال المن والسلوى، وتلك الكراهة معصية، ولأن موسى وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير، وبأن قوله :﴿أتستبدلون﴾ هو على سبيل الإنكار.
والجواب، أن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ لا يدل على عدم الرضا به فقط، بل اشتهوا أشياء أخر.
وأما الإنكار فلأنه قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا، أو الأنفع في الآخرة.
وأما الخيرية فسيأتي الكلام فيها، وإنما كان سؤالاً مباحاً، والدليل عليه أن قوله :﴿كلوا واشربوا﴾ من قبل هذه الآية، عند إنزال المن وتفجير العين ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ معصية لأن من أبيح له صنوف من الطعام يحسن منه أن يسأل غيرها، إما بنفسه أو على لسان الرسول.
ولما كان سؤال النبي أقرب للإجابة، سألوه عن ذلك، ولأن النوع الواحد أربعين سنة يمل ويشتهي إذ ذاك غيره، ولأنهم ما تعودوا ذلك النوع.
ورغبة الإنسان فيما اعتاده، وإن كان خسيساً، فوق رغبة ما لم يعتده، وإن كان شريفاً، ولأن ذلك يكون سبباً لانتقالهم عن التيه الذي ملوه، لأن تلك الأطعمة لا توجد فيه، فأرادوا الحلول بغيره، ولأن المواظبة على طعام واحد سبب لنقص الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة، والاستكثار من الأنواع بعكس ذلك.
فثبت بهذا أن تبديل نوع بنوع يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أنه لا يجوز أن يكون معصية.
ومما يؤكد ذلك قوله :﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾ هو كالإجابة لما طلبوا.
ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ووصف الطعام بواحد، وإن كان طعامين، لأنه المنّ والسلوى اللذان رزقوهما في التيه، لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عديدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل : لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً، يراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف.
ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والسرف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة، كالحبوب والبقول ونحوهما.
ذكر هذين الوجهين في معنى الواحد الزمخشري.
وقيل : أعاد على لفظ الطعام من حيث أنه مفرد لا على معناه.
وقيل : كانوا يأكلون المن والسلوى مختلطين، فيصير بمنزلة اللون الذي يجمع أشياء ويسمى لوناً واحداً، قاله ابن زيد.
وقيل : كان طعامهم يأتيهم بصفة الوحدة، نزل عليهم المن فأكلوا منه مدة حتى سئموه وملوه، ثم انقطع عنهم، فأنزل عليهم السلوى فأكلوها مدة وحدها.
وقيل : أرادوا بالطعام الواحد السلوى، لأن المن كان شراباً، أو شيئاً يتحلون به، وما كانوا يعدون طعاماً إلا السلوى.
وقيل : عبر عنهما بالواحد، كما عبر بالاثنين عن الواحد نحو :﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب.
وقيل : قالوا ذلك عند نزول أحدهما.
وقيل : معناه لن نصبر على أننا كلنا أغنياء، فلا يستعين بعضنا ببعض، ويكون قد كنى بالطعام الواحد عن كونهم نوعاً واحداً، وهو كونهم ذوي غنى، فلا يخدم بعضهم بعضاً، وكذلك كانوا في التيه، فلما خرجوا منه عادوا لما كانوا عليه من فقر بعض وغنى بعض.
فهذه تسعة أقوال في معنى قوله :﴿على طعام واحد﴾.
﴿فادع لنا ربك﴾ : معناه : اسأله لنا، ومتعلق الدعاء محذوف، أي ادع لنا ربك بأن يخرج كذا وكذا.
ولغة بني عامر : فادع بكسر العين، جعلوا دعا من ذوات الياء، كرمى يرمي، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم بما اقترحوه ولم يدعوا هم، لأن إجابة الأنبياء أقرب من إجابة غيرهم، ولذلك قالوا : ربك، ولم يقولوا : ربنا، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإتيانه التوراة، فكأنهم قالوا : ادع لنا الذي هو محسن لك، فكما أحسن إليك في أشياء، كذلك نرجو أن يحسن إلينا في إجابة دعائك.
﴿يخرج لنا﴾ : جزمه على جواب الأمر الذي هو ادع، وقد مر نظيره في ﴿أوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ وقيل : ثم محذوف تقديره : وقل له اخرج فيخرج، مجزوم على جواب هذا الأمر الذي هو اخرج.
وقيل : جزم يخرج بلام مضمرة، وهي لام الطلب، أي ليخرج، وهذا عند البصريين لا يجوز.
﴿مما تنبت الأرض﴾ : مفعول يخرج محذوف ومن تبعيضة : أي مأكولاً مما تنبت، هذا على مذهب سيبويه.
وقال الأخفش : من زائدة، التقدير : ما تنبت، وما موصولة، والعائد محذوف تقديره، تنبته، وفيه شروط جواز الحذف، وأجاز بعضهم أن تكون ما مصدرية تقديره : من إنبات الأرض.
قال أبو البقاء : لا يجوز ذلك لأن المفعول المقدر لا يوصف بالإنبات، لأن الإنبات مصدر، والمحذوف جوهر، وإضافة الإنبات إلى الأرض مجاز، إذ المنبت هو الله تعالى، لكنه لما جعل فيها قابلية الإنبات نسب الإنبات إليها.
﴿من بقلها﴾ : هذا بدل من قوله :﴿مما تنبت الأرض﴾، على إعادة حرف الجرّ، وهو فصيح في الكلام، أعني أن يعاد حرف الجرّ في البدل.
فمن على هذا التقدير تبعيضية، كهي في مما تنبت، ويتعلق بيخرج، إمّا الأولى، وإمّا أخرى مقدّرة على الخلاف الذي في العامل في البدل، هل هو العامل الأول، أو ذلك على تكرار العامل ؟ والمشهور هذا الثاني، وأجاز المهدويّ أيضاً، وابن عطية، وأبو البقاء أن تكون من في قوله :﴿من بقلها﴾ لبيان الجنس، وعبر عنها المهدويّ بأنها للتخصيص، ثم اختلفوا، فقال أبو البقاء : موضعها نصب على الحال من الضمير المحذوف تقديره : مما تنبته الأرض كائناً من بقلها، وقدّم ذكر هذا الوجه قال : ويجوز أن تكون بدلاً من ما الأولى بإعادة حرف الجر.
وأما المهدوي، وابن عطية فزعما مع قولهما : إن من في ﴿من بقلها﴾ بدل من قوله :﴿مما تنبت﴾، وذلك لأن من في ق
وقد تضمنت هذه الآيات من لطائف الامتنان وغرائب الإحسان لبني إسرائيل فصولاً، منها : أنهم أمروا بدخول القرية التي بها يتحصنون، والأكل من ثمراتها ما يشتهون، ثم كلفوا النزر من العمل والقول، وهو دخول بابها ساجدين، ونطقهم بلفظة واحدة تائبين، ورتب على هذا النزر غفران جرائمهم العظيمة وخطاياهم الجسيمة، فخالفوا في الأمرين فعلاً وقولاً، جرياً على عادتهم في عدم الامتثال، فعاقبهم على ذلك بأشد النكال.
ثم ذكر تعالى ما كان عليه موسى عليه السلام من العطف عليهم وسؤال الخير لهم، وذلك بأن دعا الله لهم بالسقيا، فأحاله على فعل نفسه بأن أنشأ لهم، من قرع الصفا بالعصا، عيوناً يجري بها ما يكفيهم من الماء، معيناً على الوصف الذي ذكره تعالى من كون تلك العيون على عدد الأسباط، حتى لا يقع منهم مشاحة ولا مغالبة، وأعلمهم بأن ذلك منه رزق، وأمروا بالأكل منه والشرب، ثم نهوا عن الفساد، إذ هو سبب لقطع الرزق.
ثم ذكر تعالى تبرمهم من الرزق الذي امتن به عليهم، فلجوا في طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم فقالوا :﴿ادع لنا ربك﴾، وذلك جري على عادته معهم، إذ كان يناجي ربه فيما كان عائداً عليهم بصلاح دينهم ودنياهم، وذكر توبيخه لهم على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس، وبما لا نصب في اكتسابه ما فيه العناء الشاق، إذ ما طلبوه يحتاج إلى استفراغ أوقاتهم المعدة لعبادة ربهم في تحصيله، ومع ذلك فصارت أغذية مضرة مؤذية جالبة أخلاطاً رديئة، ينشأ عنها طمس أنوار الأبصار والبصائر، بخلاف ما رزقهم الله، إذ هو شيء واحد جيد، ينشأ عنه صحة البدن وجودة الإدراك.
كان الخليل بن أحمد، رحمه الله، يستف دقيق الشعير، ويشرب عليه الماء العذب، وكان ذهنه أشرق أذهان أهل زمانه، وكان قوي البدن يغزو سنة ويحج أخرى.
ثم أمروا بالحلول فيما فيه مطلبهم والهبوط إلى معدن ما سألوه، ثم أخبر تعالى بما عاقبهم به من جعلهم أذلاء مساكين ومبائتهم بغضبه، وإن ذلك متسبب عن كفرهم بالآيات التي هي سبب الإيمان، لما احتوت عليه من الخوارق التي أعجزت الإنس والجان، وعن قتلهم من كان سبباً لهدايتهم، وهم الأنبياء، إذ باتباعهم يحصل العز في الدنيا والفوز في الأخرى، وأن الذي جرّ الكفر والقتل إليهم هو العصيان والاعتداء اللذان كانا سبقاً منهم قبل تعاطي الكفر والقتل.
| إن الأمور صغيرها | مما يهيج له العظيم |
والشر تحقره وقد ينمى***