زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وحِدٍ﴾ هذا قولهم في التيه. وعنوا بالطعام الواحد : المن والسلوى. قال محمد بن القاسم : كان المن يؤكل بالسلوى، والسلوى بالمن، فلذلك كان طعاما واحدا. والبقل هاهنا : اسم جنس، وعنوا به : البقول. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال : تذهب العامة إلى أن البقل : ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك، إنما البقل : العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله الناس والبهائم، يقال : بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان : إذا أنبتت البقل. وابتقلت الإبل : إذا رعت. قال أبو النجم يصف الإبل :
تبقلت في أول التبقلبين رماحي مالك ونهشل
وفي ﴿القثاء﴾ لغتان : كسر القاف وضمها، والكسر أجود، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، وقتادة، وطلحة بن مصرف، والأعمش : بضم القاف. قال الفراء : الكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة تميم، وبعض بني أسد.
وفي " الفوم " ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الحنطة، قاله ابن عباس، والسدي عن أشياخه، والحسن وأبو مالك، قال الفراء : هي لغة قديمة، يقول أهلها : فوَموا لنا، أي : اختبزوا لنا.
والثاني : أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبيّ :﴿وثومها﴾ واختاره الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما تقول العرب : الجدث، والجدف : للقبر، والأثافي والأثاثي، للحجارة التي توضع تحت القدر. والمغافير، والمغاثير : لضرب من الصمغ. وهذا قول مجاهد، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة.
والثالث : أنه الحبوب، ذكره ابن قتيبة والزجاج.
قوله تعالى :﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ : أي : أرادأ ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ : أي : أعلى، يريد : أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم.
قوله تعالى :﴿اهبطُواْ مِصْرَا﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وإنما أمروا بالمصر، لأن الذي طلبوه في الأمصار. والثاني : أنه أراد البلد المسمى بمصر، وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش ﴿مصر﴾ بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس : أراد مصر فرعون، وهذا قول أبو العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد الله. قال : وسئل عنها الأعمش، فقال : هي مصر التي عليها سليمان بن علي. وقال مفضل الضبي : سميت مصرا، لأنها آخر حدود المشرق، وأول حدود المغرب، فهي حد بينهما. والمصر : الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم : اشترى فلان الدار بمصورها، أي : بحدودها. وقال عدي :
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء بهبين النهار وبين الليل قد فصلا
وحكى ابن فارس أن قوما قالوا : سميت بذلك لقصد الناس إياها، كقولهم : مصرت الشاة، إذا حلبتها، فالناس يقصدونها، ولا يكادون يرغبون عنها إذا نزلوها.
قوله تعالى :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ﴾ : أي : ألزموها، قال الفراء : الذلة والذل : بمعنى واحد وقال الحسن : هي الجزية. وفي المسكنة قولان :
أحدهما : أنها الفقر والفاقة، قاله أبو العالية، والسدي، وأبو عبيدة، وروي عن السدي قال : هي فقر النفس.
والثاني : الخضوع، قاله الزجاج.
قوله تعالى :﴿وباؤوا﴾ أي : رجعوا. وقوله تعالى :﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الغضب.
وقيل : إلى جميع ما ألزموه من الذلة والمسكنة وغيرهما.
قوله تعالى :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيّينَ﴾. كان نافع يهمز ﴿النبيين﴾ و﴿الأنبياء﴾ و﴿النبوة﴾ وما جاء من ذلك، إلا في موضعين في الأحزاب :﴿لا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيّ﴾ [ ٥٣ ]. وإنما ترك الهمز في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وباقي القراء لا يهمزون جميع المواضع. قال : الزجاج الأجود ترك الهمز. واشتقاق النبي من : نبأ، وأنبأ، أي : أخبر. ويجوز أن يكون من : نبا ينبو : إذا ارتفع، فيكون بغير همز : فعيلا، من الرفعة. قال عبد الله بن مسعود : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.
قوله تعالى :﴿بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناه : بغير جرم، قاله ابن الأنباري. والثاني : أنه توكيد، كقوله تعالى :﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[الحج: ٤٦]. والثالث : أنه خارج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم، فهو كقوله تعالى :﴿رَبّ احْكُم بِالْحَقّ﴾[الأنبياء: ١١٢] فوصف حكمه بالحق، ولم يدل على أنه يحكم بغير الحق.
قوله تعالى :﴿وكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾. العدوان : أشد الظلم. وقال الزجاج : الاعتداء : مجاوزة القدر في كل شيء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى