مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على الطعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتكم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾.
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء، تنبت بضم التاء وكسر الباء، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء، تنبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر الظاهرين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله تعالى :﴿كلوا واشربوا﴾ من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك﴾ معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية.
واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره، الثاني : لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفا. الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة. الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى :﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئا اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال :﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ لأنا نقول هذا خلاف الظاهر، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه. الأول : أن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية، الثاني : أن قول موسى عليه السلام :﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على كونه معصية. الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط، بل اشتهوا شيئا آخر، ولأن قولهم :﴿لن نصبر﴾ إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع، وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة، وعن الثالث : بقريب من ذلك، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضرا متيقنا ومن حيث إنه يحصل عفوا بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده :﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالا مباحا، وإذا كان كذلك فقوله تعالى :﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله﴾، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى :﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه.
المسألة الثالثة : القراءة المعروفة :﴿وقثائها﴾ بكسر القاف، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة :﴿وفومها﴾ بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن عباس قالوا : وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة، وعنه أيضا أن الفوم هو الخبز وهو أيضا المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب : فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضا عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه. ( الأول ) : أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها. ( الثاني ) : أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال :﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ لأن الحنطة أشرف الأطعمة. ( الثالث ) : أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة.
المسألة الرابعة : القراءة المعروفة :﴿أتستبدلون﴾ وفي حرف أبي بن كعب :( أتبدلون ) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي :( أدنا ) بالهمزة من الدناءة. واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه، لكنه قد أجابهم إليه بقوله :﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقن خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب، فيكون الأول أولى. فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفوا صفوا لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك.
المسألة الخامسة : القراءة المعروفة :﴿اهبطوا﴾ بكسر الباء وقرئ بضم الباء، القراءة المشهورة :﴿مصرا﴾ بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله :﴿ونوحا هدينا ولوطا﴾ وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش :﴿اهبطوا مصرا﴾ بغير تنوين كقوله :﴿ادخلوا مصرا﴾ واختلف المفسرون في قوله :﴿اهبطوا مصرا﴾ روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن : الألف في مصرا زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلدا أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولا أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين : لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى :﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم﴾ والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه. ( الأول ) : أن قوله تعالى :﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى. ( والثاني ) : أن قوله :﴿كتاب الله﴾ يقتضي دوام كونهم فيه.
( والثالث ) : أن قوله :﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس. ( الرابع ) : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال :﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها. فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول : فلأن قوله :﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما الثاني : فهو كقوله :﴿كتب الله لكم﴾ فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث : وهو قوله تعالى :﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران. ( الأول ) : المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه. والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. ( الثاني ) : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط. قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل، وأيضا فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذنا في ترك المندوب، وذلك لا يليق بالأنبياء. قوله : لا نسلم أن المراد من قوله :﴿ولا ترتدوا﴾ لا ترجعوا. قلنا : الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة، ثم قال بعده :﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين. ( الأول ) : أنا إن قرأنا :﴿اهبطوا مصرا﴾ بغير تنوين كان لا محالة علما لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علما وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضا ما تقدم بعينه، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى :﴿اهبطوا مصرا﴾ يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا. ( الوجه الثاني ) : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم، قوله تعالى :﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم﴾ إلى قوله :﴿كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف. فإن قيل : الرجل قد يكون مالكا للدار وإن كان ممنوعا عن دخولها بوجه آخر، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإن داره و
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء، تنبت بضم التاء وكسر الباء، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء، تنبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر الظاهرين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله تعالى :﴿كلوا واشربوا﴾ من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك﴾ معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية.
واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره، الثاني : لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفا. الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة. الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى :﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئا اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال :﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ لأنا نقول هذا خلاف الظاهر، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه. الأول : أن قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية، الثاني : أن قول موسى عليه السلام :﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على كونه معصية. الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط، بل اشتهوا شيئا آخر، ولأن قولهم :﴿لن نصبر﴾ إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع، وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة، وعن الثالث : بقريب من ذلك، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضرا متيقنا ومن حيث إنه يحصل عفوا بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده :﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالا مباحا، وإذا كان كذلك فقوله تعالى :﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله﴾، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى :﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه.
المسألة الثالثة : القراءة المعروفة :﴿وقثائها﴾ بكسر القاف، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة :﴿وفومها﴾ بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن عباس قالوا : وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة، وعنه أيضا أن الفوم هو الخبز وهو أيضا المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب : فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضا عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه. ( الأول ) : أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها. ( الثاني ) : أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال :﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ لأن الحنطة أشرف الأطعمة. ( الثالث ) : أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة.
المسألة الرابعة : القراءة المعروفة :﴿أتستبدلون﴾ وفي حرف أبي بن كعب :( أتبدلون ) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي :( أدنا ) بالهمزة من الدناءة. واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه، لكنه قد أجابهم إليه بقوله :﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقن خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب، فيكون الأول أولى. فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفوا صفوا لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك.
المسألة الخامسة : القراءة المعروفة :﴿اهبطوا﴾ بكسر الباء وقرئ بضم الباء، القراءة المشهورة :﴿مصرا﴾ بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله :﴿ونوحا هدينا ولوطا﴾ وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش :﴿اهبطوا مصرا﴾ بغير تنوين كقوله :﴿ادخلوا مصرا﴾ واختلف المفسرون في قوله :﴿اهبطوا مصرا﴾ روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن : الألف في مصرا زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلدا أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولا أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين : لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى :﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم﴾ والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه. ( الأول ) : أن قوله تعالى :﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى. ( والثاني ) : أن قوله :﴿كتاب الله﴾ يقتضي دوام كونهم فيه.
( والثالث ) : أن قوله :﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس. ( الرابع ) : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال :﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها. فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول : فلأن قوله :﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما الثاني : فهو كقوله :﴿كتب الله لكم﴾ فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث : وهو قوله تعالى :﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران. ( الأول ) : المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه. والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. ( الثاني ) : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط. قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل، وأيضا فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذنا في ترك المندوب، وذلك لا يليق بالأنبياء. قوله : لا نسلم أن المراد من قوله :﴿ولا ترتدوا﴾ لا ترجعوا. قلنا : الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة، ثم قال بعده :﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين. ( الأول ) : أنا إن قرأنا :﴿اهبطوا مصرا﴾ بغير تنوين كان لا محالة علما لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علما وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضا ما تقدم بعينه، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى :﴿اهبطوا مصرا﴾ يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا. ( الوجه الثاني ) : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم، قوله تعالى :﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم﴾ إلى قوله :﴿كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف. فإن قيل : الرجل قد يكون مالكا للدار وإن كان ممنوعا عن دخولها بوجه آخر، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإن داره و