جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
قال أبو جعفر : أما الذين آمنوا فهم المصدّقون رسول الله فيما أتاهم به من الحقّ من عند الله، وإيمانهم بذلك : تصديقهم به على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا. وأما الذين هادوا، فهم اليهود، ومعنى هادوا : تابوا، يقال منه : هاد القوم يهودون هَوْدا وهادةً. وقيل : إنما سميت اليهود يهود من أجل قولهم : إنا هُدْنا إلَيْكَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا : إنّا هُدْنا إلَيْكَ.

القول في تأويل قوله تعالى : وَالنّصَارَى.


قال أبو جعفر : والنصارى جمع، واحدهم نَصْران، كما واحد سَكارى سكران، وواحد النّشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده على فعلان، فإن جمعه على فعالى إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد النصارى نصرانيّ. وقد حُكي عنهم سماعا «نَصْرَان » بطرح الياء، ومنه قول الشاعر :
تَرَاهُ إذَا زَارَ العَشِيّ مُحَنّفاويُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ
وسمع منهم في الأنثى نصرانة، قال الشاعر :
فكِلْتاهُما خَرّتْ وأسْجَدَ رأسُهاكما سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لمْ تَحَنّفِ
يقال : أسجد : إذا مال. وقد سمع في جمعهم أنصار بمعنى النصارى، قال الشاعر :
لَمّا رأيْتُ نَبَطا أنْصَارَاشَمّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزارَا
*** كُنْتُ لَهُمْ مِن النّصَارَى جارَا ***
وهذه الأبيات التي ذكرتها تدل على أنهم سُموا نصارى لنصرة بعضهم بعضا وتناصرهم بينهم. وقد قيل إنهم سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها «ناصرة ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج : النصارى إنما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة.
ويقول آخرون : لقوله : مَنْ أنْصارِي إلى اللّهِ.
وقد ذكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضى أنه كان يقول : إنما سميت النصارى نصارى، لأن قرية عيسى ابن مريم كانت تسمى ناصرة، وكان أصحابه يسمون الناصريين، وكان يقال لعيسى : الناصري.
حدثت بذلك عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قال : إنما سموا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريم، فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : الّذِين قالُوا إنا نَصَارَى قال : تسموا بقرية يقال لها ناصرة، كان عيسى ابن مريم ينزلها.

القول في تأويل قوله تعالى : والصّابِئِينَ


قال أبو جعفر : والصابئون جمع صابئ، وهو المستحدث سوى دينه دينا، كالمرتدّ من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب صابئا، يقال منه : صَبَأ فلان يَصْبَأ صَبْأً، ويقال : صبأت النجوم : إذا طلعت، وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا، يعني به طلع.
واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل. فقال بعضهم : يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا : الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال : الصّابِئُونَ ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الحجاج بن أرطاة، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حجام، عن عنبسة، عن الحجاج، عن مجاهد، قال : الصابئون بين المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن حجاج، عن قتادة، عن الحسن مثل ذلك.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح : الصابئين بين اليهود والمجوس لا دين لهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال مجاهد : الصابئين بين المجوس واليهود، لا دين لهم.
قال ابن جريج : قلت لعطاء :«الصابئين » زعموا أنها قبيلة من نحو السواد ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال : قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي ﷺ : قد صبأ.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : الصّابِئُون قال : الصابئون : دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون :«لا إلَه إلاّ الله »، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبيّ إلا قول لا إلَه إلاّ الله. قال : ولم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبيّ ﷺ وأصحابه : هؤلاء الصابئون. يشبهونهم بهم.
وقال آخرون : هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، قال : حدثني زياد : أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال : فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال : فخُبّر بعد أنهم يعبدون الملائكة.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : والصّابِئِين قال : الصابئون قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرؤن الزبور.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال : الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.
قال أبو جعفر الرازي : وبلغني أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون إلى القبلة.
وقال آخرون : بل هم طائفة من أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي عن سفيان، قال : سئل السديّ عن الصابئين فقال : هم طائفة من أهل الكتاب.

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ آمَنَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ وعمِل صَالِحا فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهمْ.


قال أبو جعفر : يعني بقوله : مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ : من صدق وأقرّ بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحا فأطاع الله، فلهم أجرهم عند ربهم، يعني بقوله : فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم.
فإن قال لنا قائل : فأين تمام قوله : إن الّذينَ آمَنُوا والّذِين هادُوا وَالنّصَارَى والصّابِئين ؟ قيل : تمامه جملة قوله : مَنْ آمَنَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ لأن معناه : من آمن منهم بالله واليوم الاَخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه استغناء بما ذكر عما ترك ذكره.
فإن قال : وما معنى هذا الكلام ؟ قيل : إن معناه : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بالله واليوم الاَخر فلهم أجرهم عند ربهم.
فإن قال : وكيف يؤمن المؤمن ؟ قيل : ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلى دين كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان، وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى، وبما جاء به، حتى أدرك محمدا ﷺ، فآمن به وصدّقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذ أدركوا محمدا ﷺ : آمنوا بمحمد وبما جاء به، ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع ثباته على إيمانه وتركه تبديله.
وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد ﷺ، وبما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمد، وبما جاء به واليوم الاَخر، ويعمل صالحا، فلم يبدّل ولم يغير، حتى توفي على ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه.
فإن قال قائل : وكيف قال : فلهم أجرهم عند ربهم، وإنما لفظ من لفظ واحد، والفعل معه موحد ؟ قيل :«مَنْ » وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا، فإن له معنى الواحد والاثنين والجمع والتذكير والتأنيث، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير، فالعرب توحد معه الفعل وإن كان في معنى جمع للفظه، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه، كما قال جل ثناؤه : ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفأنْتَ تُسْمع الصّمّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُون ومِنهم مَنْ يَنْظُرُ إلَيْكَ أفأنْتَ تَهْدِي العُمْي وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ فجمع مرة مع ( من ) الفعل لمعناه، ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد، كما قال الشاعر :
ألِمّا بسَلْمَى عَنْكما إنْ عَرَضْتُماوَقُولا لَهَا عُوجي على مَنْ تَخَلّفُوا
فقال : تخلفوا، وجعل «من » بمنزلة الذين. وقال الفرزدق :
تَعالَ فإنْ عاهَدْتَنِي لا تخُونُنِينَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذِئبُ يَصْطَحِبانِ
فثنى يصطحبان لمعنى «من ». فكذلك قوله : مَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ ربّهِمْ وحد آمن وعمل صالحا للفظ من، وجمع ذكرهم في قوله : فَلَهُمْ أجْرُهُمْ لمعناه، لأنه في معنى جمع.
وأما قوله : ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون فإنه يعني به جل ذكره : ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده.
ذكر من قال عُنِي بقوله : مَنْ آمَنَ باللّهِ : مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله ﷺ :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن السديّ : إنّ الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هادُوا الآية، قال : نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان سلمان من جُنْد نيسا بور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقا له مواخيا، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا. فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من خبَاء، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي، فسألاه ما هذا، فقال : الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما، فنزلا إليه، فقال لهما : هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فيه : أن لا تزني، ولا تسرق، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقصّ عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى. فوقع في قلوبهما وتابعاه فأسلما، وقال لهما : إن ذبيحة قومكما عليكما حرام، فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه، حتى كان عيد للملك، فجعل طعاما، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى