الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ :" لولا " هذه حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، والظاهرُ أنها بسيطةٌ، وقال أبو البقاء :" هي مركبةٌ من " لَوْ " و " لا "، و " لو " قبل التركيبِ يمتنعُ بها الشيءُ لامتناع غيره، و " لا " للنفي، والامتناعُ نفيٌ في المعنى، وقد دَخَلَ النفيُ ب " لا " على أحد امتناعي لو، والنفيُ إذا دخل على النفي صار إيجاباً، فمِنْ هنا صار معنى " لولا " هذه يمتنع بها الشيءُ لوجودِ غيره، وهذا تكلُّفُ ما لا فائدةَ فيه، وتكونُ " لولا " أيضاً حرفَ تخضيضٍ فتختصُّ بالأفعال وسيأتي الكلامُ عليها إن شاء الله تعالى. و " لولا " هذه تختصُّ بالمبتدأ، ولا يجوزُ أَنْ يلَيها الأفعالُ، فإنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذلك أُوِّلَ كقولِه :
ولولا يَحْسِبون الحِلْم عَجْزاًلَمَا عَدِم المُسيئون احتمالي
وتأويلُه أن الأصلَ : ولولا أن يَحْسِبِوا، فلمَّا حُذِفَتْ ارتفع الفعلُ كقوله :
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : أَنْ أَحضرَ، والمرفوعُ بعدها مبتدأٌ خلافاً للكسائي حيث رَفَعَهُ بفعلٍ مضمر، وللفراء حيث قال :" مرفوعٌ بنفس لولا "، وخبرُه واجبُ الحذف/ للدلالةِ عليه وسَدِّ شيءٍ مَسَدَّه وهو جوابُها، والتقديرُ : ولولا فضلُ اللهِ كائنٌ أو حاصل، ولا يجوز أن يُثْبَتَ إلا في ضرورة شعر، ولذلك لُحِّن المعري في قوله :
يُذيبُ الرُّعْبُ منه كلَّ عَضْبٍفلولا الغِمْدُ يُمْسِكُه لَسالا
حيث أَثْبتَ خبرَها بعدها، هكذا أطلقوا. وبعضُهم فصَّل فقال :" إنْ كان خبرُ ما بعدها كوناً مطلقاً فالحذفُ واجبٌ، وعليه جاء التنزيلُ وأكثرُ الكلام، وإن كان كوناً مقيداً فلا يَخْلو : إمّا أَنْ يَدُل عليه دليلُ أو لا، فإنْ لم يَدُلَّ عليه دليلٌ وجَبَ ذِكْرُه، نحو قولِه عليه السلامُ :" لولا قومُكِ حديثو عهدٍ بكفر " وقولِ الآخر :
فلولا بَنُوها حولَها لَخَبَطْتُها ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ دَلَّ عليه دليلٌ جاز الذكرُ والحذف، نحو : لولا زيدٌ لغُلِبْنا، أي شجاع، وعليه بيتُ المعري المتقدِّم، وقال أبو البقاء :" ولَزِمَ حَذْفُ الخبر للعلمِ به وطولِ الكلام، فإن وَقَعَتْ " أَنْ " بعدها ظَهَر الخبرُ، كقولِه :" فلولا أنَّه كان من المُسَبِّحين " فالخبرُ في اللفظ ل " أنَّ " وهذا الذي قاله مُوْهمٌ، ولا تعلُّق لخبرِ " أنَّ " بالخبر المحذوف ولا يُغْني عنه البتةَ فهو كغيرِه سواء، والتقدير : فلولا كونُه مُسَبِّحاً حاضرٌ أو موجود، فأيُّ فائدةٍ في ذكره لهذا ؟ والخبرُ يجب حَذْفُه في صورٍ أخرى، يطولُ الكتابُ بِذِكْرِها وتفصيلِها، وإنما تأتي إن شاء اللهُ مفصَّلةً في مواضعها. وقد تقدَّم معنى الفضلِ عند قوله ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧].
قوله :﴿لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللامُ جوابُ لولا. واعلم أنَّ جوابَها إن كان مُثْبَتَاً فالكثيرُ دخولُ اللامِ كهذه الآيةِ ونظائِرها، ويَقِلُّ حَذْفُها، قال :
لَوْلا الحياءُ وباقي الدينِ عِبْتُكُماببعضِ ما فيكما إذْ عِبْتُما عَوَري
وإنْ كان منفيَّاً فلا يَخْلُو : إمَّا أَنْ يكونَ حرفُ النفي " ما " أو غيرَها، إن كان غيرَها فتركُ اللام واجبٌ نحو : لولا زيدٌ لم أقم، أو لن أقوم، لئلاَّ يتوالى لامان، وإن كان ب " ما " فالكثيرُ الحَذْفُ، ويَقِلُّ الإِتيانُ بها، وهكذا حكمُ جوابِ " لو " الامتناعية، وقد تقدَّم عند قولِه :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] ولا محلَّ لجوابِها من الإِعرابِ. و ﴿مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ في محلِّ نصبٍ خبراً ل " كان "، ومِنْ للتبعيض.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى