فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أصل التولي : الإدبار عن الشيء، والإعراض بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً، والمراد هنا : إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم، وقوله :﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي : من بعد البرهان لهم، والترهيب بأشد ما يكون، وأعظم ما تجوزه العقول، وتقدر الأفهام، وهو : رفع الجبل فوق رءوسهم كأنه ظلة عليهم. وقوله :﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ﴾ بأن تدارككم بلطفه، ورحمته، حتى أظهرتم التوبة لخسرتم.
والفضل : الزيادة. قال ابن فارس في المجمل : الفضل الزيادة، والخير، والإفضال : الإحسان. انتهى. والخسران : النقصان، وقد تقدم تفسيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وأخرج ابن جرير عنه قال :﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أي : عرفتم ﴿واعتدوا﴾ يقول : اجترءوا في السبت بصيد السمك، فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش مسيخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وأخرج ابن المنذر عنه قال : القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال : انقطع ذلك النسل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو : مثل ضربه الله لهم كقوله :﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة: ٥] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية، قال : أحلت لهم الحيتان، وحرّمت عليهم يوم السبت، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فكان فيهم ثلاثة أصناف، وذكر نحو ما قدّمناه عن المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : صار شباب القوم قردة، والمشيخة صاروا خنازير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿خاسئين﴾ قال : ذليلين. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله :﴿خاسئين﴾ قال : صاغرين. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿فجعلناها نكالا لمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من القرى ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القرى :﴿وَمَوْعِظَةً للْمُتَّقِينَ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عنه :﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ يعني الحيتان ﴿نكالا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ من الذنوب التي عملوا قبل وبعد. وأخرج ابن جرير عنه :﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ قال : جعلنا تلك العقوبة، وهي المسخة ﴿نكالا﴾ عقوبة ﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ يقول : ليحذر من بعدهم عقوبتي ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ يقول : للذين كانوا معهم ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ قال : تذكرة، وعبرة للمتقين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى