معاني القرآن — الفراء

عن الكتاب
وقوله :﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قَالَ...﴾
وهذا في القرآن كثيرٌ بغير الفاء، وذلك لأنه جوابٌ يَستغنى أوّلُه عن آخره بالوَقْفَة عليه، فيقال : ماذا قال لك ؟ فيقول القائل : قال كذا وكذا ؛ فكأنّ حُسنَ الّسكوتِ يجوزُ به طرحُ الفاء. وأنت تراه في رؤوس الآيات - لأنها فصولٌ- حَسَنا ؛ من ذلك :﴿قال فَما خَطْبُكُمْ أَيُّها الْمُرْسَلونَ. قَالُوا إنا أرْسِلْنا﴾ والفاء حسنة مِثل قوله :﴿فَقَالَ الْملأَ الّذِين كَفَروا﴾ ولو كان على كلمة واحدة لم تُسقط العرب منه الفاء. من ذلك : قُمْتُ ففَعَلْت، لا يقولون : قمت فعلت، ولا قلت قال، حتى يقولوا : قُلْتُ فقال، وقُمْتُ فقام ؛ لأنها نَسَقٌ وليست باستفهام يوقف عليه ؛ ألا ترى أنه : " قال " فرعون " لِمَنْ حَوْلَه أَلاَ تَسْتَمِعُونَ. قال رَب‍ُّكم ورَبُّ آبائكم الأوّلين " فيما لا أحصيه. ومثله من غير الفعل كثيرٌ في كتاب الله بالواو وبغير الواو ؛ فأما الذي بالواو فقوله :﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلّذينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم قال بعد ذلك :﴿الصّابِرينَ والصّادقينَ والْقَانِتينَ والْمُنفِقينَ والْمُسْتَغْفِرِينَ بالأَسْحار﴾. وقال في موضع آخر :﴿التّائبُونَ الْعَابِدُونَ الْحامِدُونَ﴾ وقال في غير هذا :﴿إِنَّ الَّذِيِنَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنينَ والْمُؤْمِناتِ﴾ ثم قال في الآية بعدها :﴿إِنّ الّذينَ آمَنُوا﴾ ولم يقل : وإنّ. فاعْرِفْ بما جَرى تَفْسيرَ ما بقى، فإنّه لا يأتي إلا على الذي أنْبَأتُك به من الفصول أو الكلام المكتفي يأتي له جوابٌ. وأنشدني بعضُ العرب :
لما رأيتُ نَبَطاً أنْصَارَاشَمَّرتُ عن رُكْبَتِي الإزَارَا
*** كُنْتُ لها مِنَ النَّصارى جَارَا ***

تفسير هذه الآية من كتب أخرى