غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يأمركم﴾ بالاختلاس : أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء. ﴿هزؤا﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل. وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون : مثقلاً مهموزاً ﴿جئت﴾ وبابه بغير همزة : أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿فأدارأتم﴾ بغير همزة : أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿عما يعملون﴾ بالياء التحتانية : ابن كثير.
الوقوف :﴿بقرة﴾ ( ط ) ﴿هزواً﴾ ( ط ) ﴿الجاهلين﴾ ( ه ) نصف الجزء ﴿ما هي﴾ ( ط ) ﴿ولا بكر﴾ ( ط ) لأن التقدير هي عوان ﴿بين ذلك﴾ ( ط ) على تقدير قد تبين لكم ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ( ه ) ﴿ما لونها﴾ ( ط ) ﴿صفراء﴾ ( لا ) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿الناظرين﴾ ( ه ) ﴿ما هي﴾ ( لا ) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿علينا﴾ ( ط ) ﴿لمهتدون﴾ ( ه ) ﴿الحرث﴾ ( ج ) لأن قوله ﴿مسلمة﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿لاشية فيها﴾ ( ط ) ﴿جئت بالحق﴾ ( ط ) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿فذبحوها﴾ ( ط ) ﴿يفعلون﴾ ( ه ) ﴿فادارأتم فيها﴾ ( ط ) ﴿يكتمون﴾ ( ه ) ج للآية والفاء بعدها ﴿ببعضها﴾ ( ط ) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ ﴿تعقلون﴾ ( ه ) ﴿قسوة﴾ ( ط ) ﴿الأنهار﴾ ( ط ) ﴿الماء﴾ ( ط ) ﴿خشية الله﴾ ( ط ) لتفصيل دلائل القدرة ﴿تعملون﴾ ( ه ).
التفسير : عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام، فاجتهد موسى في تعرف القاتل. فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة. فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم. وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى عليه السلام أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا : أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح. والمانعون قالوا : معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال : لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿وما كادوا يفعلون﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال. وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام. ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ثم اختلف القائلون بهذا المذهب. منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها. ومنهم من يقول : إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال. وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب. ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.
﴿أتتخذنا هزواً﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء. ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة. واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر. وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿من الجاهلين﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد. وقيل : نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.
مت بالإرادة تحيا بالطبيعة. وقال بعضهم : مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة. ﴿ما هي إنها بقرة﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق. ﴿لا فارض﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل : الصوفي بعد الأربعين بارد. ﴿ولا بكر﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره. ﴿عوان بين ذلك﴾ لقوله ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾ [الأحقاف: ١٥]. ﴿بقرة صفراء﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضات. ﴿فاقع لونها﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين. ﴿لا ذلول تثير الأرض﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ولا تسقي﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿مسلمة﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿وما كادوا يفعلون﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه. ﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ يعني القلب ﴿فادّارأتم﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله تعالى وقال ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم. والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه. فإراءة الآيات للخواص ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ [فصلت: ٥٣]
﴿ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ [البقرة: ٧٣] لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ [يوسف: ٢٤] سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال : واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها. والله أعلم.
القراءات :﴿يأمركم﴾ بالاختلاس : أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء. ﴿هزؤا﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل. وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون : مثقلاً مهموزاً ﴿جئت﴾ وبابه بغير همزة : أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿فأدارأتم﴾ بغير همزة : أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿عما يعملون﴾ بالياء التحتانية : ابن كثير.
الوقوف :﴿بقرة﴾ ( ط ) ﴿هزواً﴾ ( ط ) ﴿الجاهلين﴾ ( ه ) نصف الجزء ﴿ما هي﴾ ( ط ) ﴿ولا بكر﴾ ( ط ) لأن التقدير هي عوان ﴿بين ذلك﴾ ( ط ) على تقدير قد تبين لكم ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ( ه ) ﴿ما لونها﴾ ( ط ) ﴿صفراء﴾ ( لا ) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿الناظرين﴾ ( ه ) ﴿ما هي﴾ ( لا ) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿علينا﴾ ( ط ) ﴿لمهتدون﴾ ( ه ) ﴿الحرث﴾ ( ج ) لأن قوله ﴿مسلمة﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿لاشية فيها﴾ ( ط ) ﴿جئت بالحق﴾ ( ط ) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿فذبحوها﴾ ( ط ) ﴿يفعلون﴾ ( ه ) ﴿فادارأتم فيها﴾ ( ط ) ﴿يكتمون﴾ ( ه ) ج للآية والفاء بعدها ﴿ببعضها﴾ ( ط ) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ ﴿تعقلون﴾ ( ه ) ﴿قسوة﴾ ( ط ) ﴿الأنهار﴾ ( ط ) ﴿الماء﴾ ( ط ) ﴿خشية الله﴾ ( ط ) لتفصيل دلائل القدرة ﴿تعملون﴾ ( ه ).
الوقوف :﴿بقرة﴾ ( ط ) ﴿هزواً﴾ ( ط ) ﴿الجاهلين﴾ ( ه ) نصف الجزء ﴿ما هي﴾ ( ط ) ﴿ولا بكر﴾ ( ط ) لأن التقدير هي عوان ﴿بين ذلك﴾ ( ط ) على تقدير قد تبين لكم ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ( ه ) ﴿ما لونها﴾ ( ط ) ﴿صفراء﴾ ( لا ) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿الناظرين﴾ ( ه ) ﴿ما هي﴾ ( لا ) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿علينا﴾ ( ط ) ﴿لمهتدون﴾ ( ه ) ﴿الحرث﴾ ( ج ) لأن قوله ﴿مسلمة﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿لاشية فيها﴾ ( ط ) ﴿جئت بالحق﴾ ( ط ) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿فذبحوها﴾ ( ط ) ﴿يفعلون﴾ ( ه ) ﴿فادارأتم فيها﴾ ( ط ) ﴿يكتمون﴾ ( ه ) ج للآية والفاء بعدها ﴿ببعضها﴾ ( ط ) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ ﴿تعقلون﴾ ( ه ) ﴿قسوة﴾ ( ط ) ﴿الأنهار﴾ ( ط ) ﴿الماء﴾ ( ط ) ﴿خشية الله﴾ ( ط ) لتفصيل دلائل القدرة ﴿تعملون﴾ ( ه ).
التفسير : عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام، فاجتهد موسى في تعرف القاتل. فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة. فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم. وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى عليه السلام أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا : أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح. والمانعون قالوا : معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال : لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿وما كادوا يفعلون﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال. وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام. ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ثم اختلف القائلون بهذا المذهب. منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها. ومنهم من يقول : إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال. وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب. ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.
﴿أتتخذنا هزواً﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء. ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة. واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر. وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿من الجاهلين﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد. وقيل : نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.
| اقتلوني يا ثقاتي | إن في قتلي حياتي |
| وحياتي في مماتي | ومماتي في حياتي |
﴿ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ [البقرة: ٧٣] لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ [يوسف: ٢٤] سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال : واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها. والله أعلم.
القراءات :﴿يأمركم﴾ بالاختلاس : أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء. ﴿هزؤا﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل. وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون : مثقلاً مهموزاً ﴿جئت﴾ وبابه بغير همزة : أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿فأدارأتم﴾ بغير همزة : أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿عما يعملون﴾ بالياء التحتانية : ابن كثير.
الوقوف :﴿بقرة﴾ ( ط ) ﴿هزواً﴾ ( ط ) ﴿الجاهلين﴾ ( ه ) نصف الجزء ﴿ما هي﴾ ( ط ) ﴿ولا بكر﴾ ( ط ) لأن التقدير هي عوان ﴿بين ذلك﴾ ( ط ) على تقدير قد تبين لكم ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ( ه ) ﴿ما لونها﴾ ( ط ) ﴿صفراء﴾ ( لا ) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿الناظرين﴾ ( ه ) ﴿ما هي﴾ ( لا ) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿علينا﴾ ( ط ) ﴿لمهتدون﴾ ( ه ) ﴿الحرث﴾ ( ج ) لأن قوله ﴿مسلمة﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿لاشية فيها﴾ ( ط ) ﴿جئت بالحق﴾ ( ط ) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿فذبحوها﴾ ( ط ) ﴿يفعلون﴾ ( ه ) ﴿فادارأتم فيها﴾ ( ط ) ﴿يكتمون﴾ ( ه ) ج للآية والفاء بعدها ﴿ببعضها﴾ ( ط ) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ ﴿تعقلون﴾ ( ه ) ﴿قسوة﴾ ( ط ) ﴿الأنهار﴾ ( ط ) ﴿الماء﴾ ( ط ) ﴿خشية الله﴾ ( ط ) لتفصيل دلائل القدرة ﴿تعملون﴾ ( ه ).