التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا﴾ إرشاد لهم إلى الوسيلة التي عن طريقها سيهتدون إلى القاتل الحقيقي، والضمير في قوله ﴿اضربوه﴾ يعود على النفس، وتذكيره مراعى فيه معناها هو الشخص أو القتيل.
وضرب القتيل ببعضها - أيا كان ذلك البعض - دليل على كمال قدرة الله تعالى. وفيه تيسير عليهم. واسم الإِشارة في قوله تعالى :﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾ مشار به إلى محذوف دل عليه سياق الكلام.
والتقدير : فقلنا لقوم موسى الذيؤن تنازعوا في شأن القتيل اضربوه ببعض البقرة ليحيا، فضربوه فأحياه الله، وأخبر القتيل عن قاتله، وكمثل إحيائه يحيى الله الموتى في الآخرة للثواب والعقاب.
وبذلك تكون الآية ظاهرة في أن الذي ضرب ببعض البقرة قد صار حياً بعد موته.
قال الإِمام ابن جرير - رحمه الله - : فإن قيل : وما كان معنى الأمر بضرب القتيل ببعضها ؟ قيل : ليحيا فينبئ نبى الله والذين ادارءوا فيه عن قاتله.
فإن قال : وأين الخبر عن أن الله - تعالى - أمرهم بذلك ؟ قيل : ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه، والمعنى : فقلنا اضربوه ببعضها ليحيا فضربوه فحيى، يدل على ذلك قوله تعالى :﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
والمقصود بالآيات في قوله تعالى :﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الدلائل الدالة على أن الله على كل شيء قدير والتي منها ما شاهدوه بأعينهم من ترتب الحياة على ضرب القتيل بعضوميت، وأخباره عن قاتله، واهتدائهم بسبب ذلك إلى القاتل الحقيقي. وذلك لكي تستعملوا عقولكم في الخير. وتوقنوا بأن من قدر على إحياء نفس، واحدة فهو قادر على إحياء الأنفس جميعاً لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شيء.
هذا ولصاحب النار - رحمه الله - رأى في تفسير الآية الكريمة، فهو يرى أن المراد بالإِحياء في قوله تعالى :﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾ حفظ الدماء وأستبقاؤها وليس المراد به عنده الإِحياء الحقيقي بعد الموت.
فقد قال في تفسيره : وأما قوله تعالى :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾ فهو بيان لإخراج ما يكتمون، ويروون في هذا الضرب روايات كثيرة. قيل : إن المراد اضربوا المقتول بلسانها وقيل بفخذها وقيل بذنبها، وقالوا : أنهم ضربوه فعادت إليه الحياة، وقال قتلني أخي أو ابن فلان، الخ ما قالوه، والآية ليست أيضاً نصاً في مجملة فكيف بتفصيله ؟ والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية.
ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإِحياء على حد قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ فالإِحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين...
والذي نراه أن المراد بالإِحياء في قوله تعالى :﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾ الإِحياء الحقيقي للميت بعد موته، وأن تفسيره بحفظ الدماء واستبقائها ضعيف لما يأتي :
أولا : مخالفته لما ورد عن السلف في تفسير الآية الكريمة فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " لما ضرب المقتول ببعضها - يعني ببعض البقرة - جلس حياً، فقيل له من قتلك ؟ قال : بنو أخي قتلوني ثم قبض.
ثانياً : ما ذهب إليه صاحب المنار لا يدل عليه القرآن الكريم لا إجمالاً ولا تفصيلا، ولا تصريحاً ولا تلميحاً، لأن قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾ ظاهر كل الظهور، في أن المراد بالأحياء رد الحياة إليهم بعد ذهابها عنهم، إذ الموتى هم الذين ماتوا بالفعل، وإحياؤهم رد أرواحهم بعد موتهم وليس هناك نص صحيح يعتمد عليه في مخالفة هذا الظاهر، ولا توجد أيضاً قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى المتبادر من الآية بأدنى تأمل وما دام الأمر كذلك فلا يجوز تأويله بما يخالف ما يدل عليه اللفظ دلالة واضحة، ومن التعسف الظاهر أن يراد من الموتى الأحياء من الناس، وبإحياء الموتى تشريع العقوبات صوناً لدماء الأحياء منهم والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا المعنى قال ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجنة يحفظ على الناس حياتهم بدون التواء أو تعمية.
ثالثاً : تفسير الإِحياء برد الحياة إلى الموتى، كما قال المفسرون، يودى إلى غرس الإِيمان بصحة البعث في القلوب، لأن المعنى عليه، كهذا الإِحياء العجيب - وهو إحياء القتيل بضربة ببعض البقرة ليخبر عن قاتله - يحيى الله الموتى بأن يبعثهم من قبورهم يوم القيامة، ليحاسبهم على أعمالهم، فيكون إثباتاً للبعث عن طريق المشاهدة حتى لا ينكره منكر.
رابعاً : قوله تعالى بعد ذلك :﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قرينة قوية على أن المراد بالإِحياء، رد الحياة إلى الموتى بعد موتهم لأن المراد ب ﴿آيَاتِهِ﴾ في هذا الموضع، - كما قال المفسرون - الدلائل الدالة على عظم قدرته - تعالى - وذلك إنما يكون في خلق الأمور العجيبة الخارقة للعادة والتي ليست في طاقة البشر، كإحياء الموتى وبعثهم من قبورهم للحساب والجزاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر :
اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإِلهية من ذلك :
١ - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوء أدب مع مرشيدهم، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل، ومما طلة في الانصياع للتكاليف، وانحراف عن الطريق المستقيم.
٢ - دلالتها على أن التنطع في الدين، والإِلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام، لأن بني إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أي بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
أخرج ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال :" لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزائهم.
لكنهم شددوا فشد الله عليهم ".
وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم، وتكثير للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم.
وقد جاءت تعاليم الإِسلام بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا والله غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ وفي الحديث الشريف :" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم ".
قال صاحب المنار :" وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم، فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده، حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت ".
٤ - قال الإِمام ابن القيم - رحمه الله - : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها :
( أ ) - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإِنكار، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قابلوا هذا الأمر بقولهم :﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألو عنه قالوا ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، فلما قال لهم :﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولنها، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال، ولم يكادوا يفعلون.
ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم :﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ فإن أردوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة.
قال الإِمام بن جرير :" وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم ".
( ب ) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم.
( ج ) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتوعات، زيادة في هداية المهتدى، وأعذارا وإنذارا للضال :
( د ) - ومنها : الإِخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإِيمان فيها.
قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول " إن القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله، أنكروا قتله، وقالوا : والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق ".
( ه ) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن القاتل قصد ميراث المقتول، ودافع القاتل عن نفسه، ففضحة الله - تعالى - وهتكه، وحرمه ميراث المقتول.
( و ) ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل في البلادة.
ثم قال الإِمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل ؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلهاً معبوداً من دون الله، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل ".
٥ - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التي لا يدرون كيف تعمل، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها، وصدق الله حيث يقول :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بني إسرائيل برذيلة التنطع في الدين، والتعنت في الأسئلة، والإِساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم بالعظات والمثلات. لقساوة قلوبهم، وسوء طباعهم، وانطماس بصيرتهم ﴿ومن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى