كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ﴾، قال الكلبي : قالوا بَعْدَ ذَلِكَ : لَمْ نَقْتُلْهُ نَحْنُ ؛ وَأَنْكَرُواْ ؛ وَلَمْ يَكُنْ أعْمَى قَلْباً وَلاَ أشَدَّ تَكْذِيْباً مِنْهُمْ لِنَبِيِّهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ﴾.
قال الكلبيُّ :(قَسَتْ ؛ أيْ يَبسَتْ وَفَسَدَتْ). وقال أبو عُبيد :(حَقَدَتْ). وقال الواقديُّ :(جَفَّتْ فَلَمْ تَلِنْ). وَقِيْلَ : اسودَّت. وقال الزجَّاج :(تَأْويْلُ الْقَسْوَةِ ذَهَابُ اللِّيْنِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ). وَقِيْلَ : قَسَتْ ؛ أي غَلُظَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّن بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي من بعدِ إحياء الميْتِ : وَقِيْلَ : من بعدِ هذه الآيات التي تقدَّمت من مَسْخِ القردة والخنازيرِ ؛ ورفعِ الجبل ؛ وخروجِ الأنْهار من الحجَرِ ؛ وغيرِ ذلك. ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ ؛ في عِلَظِهَا وشدَّتِها ويُبسِها ؛ ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ ؛ يبساً وغلظاً. ومعنى ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ : بل أشدُّ، كقوله :﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾[النحل: ٧٧]. وَقِيْلَ :(أوْ) بمعنى الواو ؛ أي وَأَشَدُّ، ﴿قَسْوَةً﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾[النور: ٦١] ومثلُ :﴿لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾[النور: ٣١]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾[الإنسان: ٢٤]. وقرأ أبو حَيَوَةَ :(أوْ أشَدَّ قَسَاوَةً).
ثُم عَذَرَ اللهُ الحجارةَ وفضَّلها على القلب القاسي، فأخبرَ أنَّ منها ما يكونُ فيه رطوبةً ؛ وأنَّ منها لَمَا يتردَّى من أعلَى الجبلِ إلى أسفلهِ مخافةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فقَالَ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾، وقرأ مالكَ بن دينارٍ :(نَتَفَجَّرُ) بالنون كقوله﴿فَانفَجَرَتْ﴾[البقرة: ٦٠]. وفي مُصحف أُبَيٍّ (مِنْهَا الأَنْهَارُ) ردَّ الكنايةَ إلى الحجارةِ. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ﴾، قرأ الأعمشُ :(يَتَشَقَّقُ).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ؛ أي ينْزِلُ من أعلى الجبلِ إلى أسفله من خِشْيَةِ الله ؛ وقلوبكم يا معشرَ اليهود لا تلينُ ولا تخشعُ ولا تأتِي بخيرٍ. قِيْلَ : لا يهبطُ من الجبالِ حَجَرٌ بغير سببٍ ظاهرٍ إلا وهو مجعولٌ فيه التمييز. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ وعيدٌ وتَهديدٌ ؛ أي ما اللهُ بتاركٍ عقوبةَ ما تعملون ؛ بل يُجازيكم به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى