تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) يعني يبست وجفت، وجفاف القلب بخروج الرحمة والرقة عنه. ( من بعد ذلك ) من بعد ما ظهر لكم من تلك الآيات. ( فهي كالحجارة ) يعني في الصلابة ( أو أشد قسوة ).
فإن قيل : لم قال : أو أشد قسوة و " أو " كلمة التشكيك ؟ ولم شبَّه بالحجارة والحديد أصلب من الحجارة ؟.
قلنا : أما الأول معناه وأشد قسوة. وقيل : بل أشد قسوة، وهو مثل قوله تعالى :
( إلى مائة ألف أو يزيدون ) (١) أو بل يزيدون.
وقال جماعة النحويين : معناه إن شئت مثلهم بالحجارة ؛ وإن شئت مثلهم بما هو أشد من الحجارة، فأنت مصيب في الكل. وهذا قول حسن.
وإنما لم يشبِّه بالحديد ؛ لأنه قابل للين، فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط.
قوله تعالى :( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) قيل : أراد به جميع الحجارة. وقيل : أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط.
( وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ) أراد به عيونا دون الأنهار، وتكون في بعض الأحجار ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) أي ينزل من مخافة الله.
فإن قيل : الحجر جماد لا يفهم ؛ فكيف يخشى ؟ ! قلنا : قد قال أهل السنة : إن لله تعالى علما في الموات لا يعلمه غيره.
قيل : إن الله تعالى يفهمهم ويلهمهم ذلك فيخشون بإلهامه، وبمثل هذا وردت الأخبار.
فإنه روى :«أن النبي ﷺ كان على " ثبير " والكفار يطلبونه، فقال الجبل : أنزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علىّ فيعاقبني الله بذلك. فقال له جبل حراء : إلىّ إليّ يا رسول الله ».
وروى عن النبي ﷺ أنه قال :«كان حجر يسلم علىّ بمكة قبل أن أبعث، وأنا أعرفه الآن »(٢) الخبر صحيح.
وفي الباب حديث أنس وسهل بن سعد، «أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فلما اتخذ له المنبر تحول إليه فلما رقاه حن الجذع »(٣).
ويروي :«أنه خار كما يخور الثور، حتى ارتج المسجد ؛ فنزل رسول الله ﷺ من المنبر وكان الجذع يخور حتى التزمه فسكن. فخيره النبي ﷺ بين أن يكون شجرة في الدنيا أو شجرة في الجنة، فاختار الجنة، فأمر به فدفن »(٤).
وقد قال مجاهد : لا ينزل حجر من [ الأعلى ] (٥) إلى الأسفل إلا من خشية الله.
ويشهد لكل ما قلنا. قوله تعالى :( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) (٦).
( وما الله بغافل عما تعملون ) أي : يشاهد ما تصنعون.
١ - الصافات: ١٤٧..
٢ - أخرجه مسلم في صحيحه (١٥/٥٣ رقم ٢٢٧٧)، والترمذي (٥/٥٥٣ رقم ٣٦٢٤)، وأحمد في مسنده (٥/٨٩، ٩٥/١٠٥) جميعهم من حديث جابر بن سمرة..
٣ - متفق عليه من حديث سهل بن سعد. البخاري (٢/٤٦١ رقم: ٩١٧) ومسلم (٥/٤٦-٤٩ رقم ٥٤٤). وحديث أنس أخرجه أحمد في مسنده (١/٤٤٩)، والترمذي (٥/٥٥٤ رقم ٣٦٢٧) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة (١/٤٥٤ رقم ٤١٥) وابن خزيمة في صحيحه (٣/١٤٠ رقم ١٧٧٧)..
٤ - هذه الزيادة جاءت في حديث طويل لعائشة، أخرجه أبو يعلى، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/١٣١): هذا حديث غريب إسنادا ومتنا.
وجاءت أيضا في حديث طويل لأبي بن كعب عند أحمد (٥/١٣٨، ١٣٩)، وبريدة عند الدارمي (١/٢٩-٣٠) وغيرهم..

٥ - في "الأصل": أعلى، والمثبت من "ك"..
٦ - الحشر: ٢١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى