النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فيهم قولان :
أحدهما : أنهم اليهود، إذا خلوا مع المنافقين، قال لهم المنافقون : أتحدثون المسلمين، بما فتح الله عليكم. والثاني : أنهم اليهود، قال بعضهم لبعض :
﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم﴾ وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : بما فتح الله عليكم، أي مما أذكركم(١) الله به، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني : بما أنزل الله عليكم في التوراة، من نبوة محمد ﷺ وبعثه، ﴿ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو قول أبي العالية وقتادة.
والثالث : أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة، حين شبههم النبي ﷺ، بأنهم إخوة القردة، فقالوا : من حدثك بهذا ؟ وذلك حين أرسل إليهم(٢)، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهذا قول مجاهد.
والرابع : أن ناساً من اليهود أسلموا، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من العرب، بما عُذِّبَ به ( آباؤهم )، فقال بعضهم لبعض، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، وهذا قول السدي.
وفي ﴿فتح الله﴾ هنا وجهان :
أحدهما : بما علمكم الله.
والثاني : بما قضاه الله، والفتح عند العرب القضاء والحكم، ومنه قول الشاعر :
ألا أبلغ بني عُصُم رسولاًبأني عن فِتاحِكُم غنيُّ
ويُقَالُ للقاضي : الفتّاح، ومنه قوله تعالى :
﴿رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾(٣).
قوله تعالى :﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾، فَحُذِفَ ذكُر الكتاب إيجازاً.
والثاني :﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ فتظهر له الحُجَّة عليكم، فيكونوا أولى بالله منكم، وهذا قول الحسن.
والثالث :﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ يوم القيامة، كما قال تعالى :﴿ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القيِامَةِ عِنْدَ رَبِّكُم تَخْتَصِمُونَ﴾(٤)
١ - أذكركم: في ق أكرمكم..
٢ - وذلك حين نازل علي بني قريظة يوم خيبر وسمع منهم سب النبي ﷺ فأخبره بذلك..
٣ - آية ٨٩ الأعراف..
٤ - الآية ٣١ من سورة الزمر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى