تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله :﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾(١) أي : بذلك ؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يُخْلِف عهده(٢).
ولكن هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى ب " أم " التي بمعنى : بل، أي : بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال(٣) محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان(٤) عن مجاهد، عن ابن عباس : أن اليهود كانوا يقولون : هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّب بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة(٥). فأنزل الله تعالى :﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله :﴿خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢].
ثم رواه عن محمد، عن سعيد - أو عكرمة - عن ابن عباس، بنحوه.
وقال العوفي عن ابن عباس :﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ اليهود قالوا(٦) : لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، [ زاد غيره : هي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة ](٧) وقال الضحاك : قال ابن عباس : زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا : أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. فذلك قوله تعالى :﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة :﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني : الأيام التي عبدنا فيها العجل(٨).
وقال عكرمة : خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم(٩) فقالوا : لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا إليها(١٠) قوم آخرون، يعنون(١١) محمدًا ﷺ وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم :" بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد ". فأنزل الله :﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله : حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال (١٢) رسول الله ﷺ :" اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا " فقال لهم رسول الله ﷺ :" من أبوكم ؟ " قالوا : فلان(١٣). قال :" كذبتم، بل أبوكم فلان ". فقالوا : صدقت وبَرِرْت، ثم قال لهم :" هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه ؟ ". قالوا : نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ :" من أهل النار ؟ " فقالوا : نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ :" اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا ". ثم قال لهم رسول الله ﷺ :" هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه ؟ ". قالوا : نعم يا أبا القاسم. فقال :" هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا ؟ ". فقالوا : نعم. قال(١٤) :" فما حملكم على ذلك ؟ ". فقالوا : أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك.
ورواه أحمد، والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعد، بنحوه(١٥).
١ بعدها في جـ: "فلن يخلف الله عهده"..
٢ في جـ، ط، ب، أ، و: "وعده"..
٣ في جـ، ط: "وقال"..
٤ في جـ: "سلمان"..
٥ في جـ، ط، ب، أ، و: "أيام معدودات"..
٦ في جـ: "وقالوا".
.

٧ زيادة من جـ، ط، ب، و..
٨ تفسير عبد الرزاق (١/٧١، ٧٢)..
٩ في جـ: "رسول الله ﷺ وأصحابه"..
١٠ في جـ: "فيها"..
١١ في جـ، ط، أ، و: "يعني"، وفي ب: "تعني"..
١٢ في ط، ب: "فقال لهم"..
١٣ في جـ: "قالوا: أبونا فلان"..
١٤ في جـ، ط، ب: "فقال"..
١٥ المسند (٢/٤٥١) وصحيح البخاري برقم (٣١٦١، ٤٢٤٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى