كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ أي ثُم أنتم يا هؤلاءِ ؛ فحذفَ حرفَ النِّداء للاستغناءِ بدلالةِ الكلام عليه. كقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾[الإسراء: ٣]. وقولهُ :﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قرأ الحسنُ :(يُقَتِّلُونَ) بالتشديدِ. ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ﴾، والآيةُ خطابٌ ليهودِ قريظةَ والنضير ؛ كانت بنُو قريظةَ حلفاءَ الأوسِ ؛ وبنو النضيرِ حلفاءَ الخزرجِ، فكان كلُّ فريقٍ يقاتلُ الفريقَ الآخر وإذا غلبَهم قتلَهم وسَبَى ذراريهم وأخرجَهم من ديارهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، قرأ أهل الشام وأبو عمرو ويعقوب :(تَظَّاهَرُونَ) بتشديد الظاء، ومعناهُ : يَتَظَاهَرُونَ ؛ فأُدغم التاءُ في الظاءِ مثل :(اثَّاقَلْتُمْ) وَ(ادَّارَكُواْ). وقرأ عاصمُ والأعمش وحمزة وطلحة والحسن والكسائي :(تَظَاهَرُونَ) بالتخفيفِ ؛ حذفُوا تاءَ التفاعلِ وأبقَوا تاء الخطاب مثلُ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[المائدة: ٢] و﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾[الصافات: ٢٥]. وقرأ أُبَي ومجاهدُ وقتادة :(تَظَّهَرُونَ) بالتشديدِ من غيرِ ألِفٍ ؛ أي تَتظهَرُونَ. ومعناهما جميعاً واحدٌ : تَعَاوَنُونَ. والظَّهيرَةُ العَوْنُ ؛ سُمي بذلك لإسنادهِ ظهرَهُ إلى ظهرِ صاحبه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي بالمعصيةِ والظُّلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ ؛ مُتَّصِلٌ بقوله﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾[البقرة: ٨٤] لأن قَوْلَهُ :﴿وَإِن يَأتُوكُمْ﴾ داخلٌ في الميثاقِ. ومعناهُ : فكُّوا أسراكُم من غيرِكم بالفداءِ. وقرأ السلمي ومجاهدُ وابن كثير وأبو عمرٍو وابن عامر :(أُسَارَى) بالألف، و(تُفْدُوهُمْ) بغير ألف. وقرأ الحسن :(أسْرِي) بغيرِ ألف، (تُفَادُهُمْ) بالألف. وقرأ النخعيُّ وطلحة والأعمش وحمزة (أسْرِي تَفْدُوهُمْ) كلاهما بغير ألف. وقرأ شيبةُ ونافع وعاصم وقتادةُ والكسائي ويعقوب (أُسَارَى تُفَادُوهُمْ) كِلاهما بالألف.
والأُسَارَى : جمعُ أسيرٍ ؛ مثل : مريض ومرضَى، وقريع وقرعَى، وقتيلٍ وقتلى. والأَسْرَى : جمع أسير أيضاً، مثل : سُكَارَى وكسالى. ولا فرق بين الأسارَى والأسرَى في الصحيح. قال بعضُهم : المقيَّدون المشدُودون أًسارى، والأَسْرَى : هم المأسورون غيرُ المقيدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :(تُفْدُوهُمْ) بالمالِ، و(تُفَادُوهُمْ) أي مفاداة الأسير بالأسير. و(أسْرَى) في موضعِ نصب على الحال.
ومعنى الآيةِ ما قال السديُّ :(إنَّ اللهَ تَعَالَى أخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيْلَ فِي التَّوْرَاةِ أنْ لاَ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَلاَ يُخْرِجَ بَعْضُهُمَْ بَعْضاً مِنْ دِيَارهِمْ ؛ وَأَيَّمَا عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ فَاشْتَرُوهُ وَأعْتِقُوهُ. وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الأَوْسِ، وَالنَّضِيْرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَكَانُواْ يُقْتَلُونَ فِي حَرْب سُمَيْرٍ ؛ فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهِمْ ؛ وَالنَّضِيْرُ مَعَ حُلَفَائِهِمْ، فَإذَا غَلَبُواْ خَرَّبُواْ دِيَارَهُمْ وَأخْرَجُوهُمْ مِنْهَا ؛ وَإذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيْقَيْنِ كِلاَهُمَا جَمَعُواْ لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ فِيُعَيِّرُونَهُمُ الْعَرَبُ بذَلِكَ ؛ فَيَقُولُونَ : كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتُفْدُونَهُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : إنَّا قًَدْ أُمِرْنَا أنْ نَفْدِيَهُمْ ؛ وَحُرِّمَ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ. قَالُواْ : فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ ؟ قَالُواْ : إنَّا نَسْتَحِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفَاؤُنَا ؛ فَذَلِكَ حِيْنَ عَيَّرَهُمْ اللهُ تَعَالَى).
وقال :﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وفي الآية تقديم وتأخيرٌ ؛ تقديره :﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (وَإنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى