روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ نزلت كما في «البحر » في بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير من اليهود، كان بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة، والنضير والأوس والخزرج إخوان ؛ وبنو قريظة والنضير إخوان ثم افترقوا فصارت بنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانوا يقتتلون ويقع منهم ما قص الله تعالى فعيرهم الله تعالى بذلك. و﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد في الوقوع لا للتراخي في الزمان لأنه الواقع في نفس الأمر كما قيل به و( أنتم ) مبتدأ، وهؤلاء خبره على معنى أنتم بعد ذلك المذكور من الميثاق والإقرار والشهادة هؤلاء الناقضون، كقولك : أنت : ذلك الرجل الذي فعل كذا، وكان مقتضى الظاهر، ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم الخ أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، لكن أدخل ( هؤلاء ) وأوقع خبراً ليفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها نعياً عليهم لشدة(١) وكادة الميثاق ثم تساهلهم فيه وتغيير الذات فهم من وضع اسم الإشارة الموضوع للذات موضع الصفة لا من جعل ذات واحد في خطاب واحد مخاطباً وغائباً، وإلا لفهم ذلك من نحو ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيضاً. وصح الحمل مع اعتبار التغير لأنه ادعائي وفي الحقيقة واحد وعدوا حضوراً مشاهدين باعتبار تعلق العلم بما أسند إليهم من الأفعال المذكورة سابقاً وغيباً باعتبار عدم تعلق العلم بهم لما سيحكى عنهم من الأفعال بعد، لا لأن المعاصي توجب الغيبة عن غير الحضور إذ المناسب حينئذ الغيبة في ( تقتلون ) و( تخرجون ) قاله الساليكوتي، و( تقتلون ) إما حال والعامل فيه معنى الإشارة أو بيان كأنه لما قيل :﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء﴾ قالوا كيف نحن/ فجيء ب ﴿تَقْتُلُونَ﴾ تفسيراً له، ويحتمل أن تجعل مفسرة لها من غير تقدير سؤال، وذهب ابن كيسان وغيره إلى أن ﴿أَنتُمْ﴾ مبتدأ و﴿تَقْتُلُونَ﴾ الخبر و﴿هَؤُلاء﴾ تخصيص للمخاطبين لما نبهوا على الحال التي هم عليها مقيمون فيكون إذ ذاك منصوباً بأعني، وفيه أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة والمستقر من لسان العرب أنه يكون يأيتها كاللهم اغفر لنا أيتها العصابة وبالمعرف باللام كنحن العرب أقرى الناس للضيف أو الإضافة كنحن معاشر الأنبياء لا نورث وقد يكون بالعلم ك
بنا تميما نكشف الضبابا. ***
وأكثر ما يأتي بعد ضمير متكلم وقد يجيء بعد ضمير المخاطب كبك الله نرجو الفضل، وقيل :( هؤلاء ) تأكيد لغوي ( لأنتم ) فهو إما بدل منه أو عطف بيان عليه وجعله من التأكيد اللفظي بالمرادف توهم، والكلام على هذا خال عن تلك النكتة، وقيل : هؤلاء بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر، وهذا مبني على مذهب الكوفيين حيث جوزوا كون جميع أسماء الإشارة موصولة سواء كانت بعد ( ما ) أولا والبصريون يخصونه إذا وقعت بعد ( ما ) الاستفهامية وهو المصحح على أن الكلام يصير حينئذ من قبيل :
أنا الذي سمتني أمي حيدرة *** وهو ضعيف كما قاله الشهاب وقرأ الحسن ﴿تَقْتُلُونَ﴾ على التكثير وفي «تفسير المهدوي » أنها قراءة أبي نهيك ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم﴾ عطف على ما قبله وضمير ديارهم للفريق وإيثار الغيبة مع جواز دياركم كما في الأول للاحتراز عن توهم كون المراد إخراجهم من ديار المخاطبين من حيث ديارهم لا ديار المخرجين ﴿تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان﴾ حال من فاعل ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أو من مفعوله قيل : أو من كليهما لأنه لاشتماله على ضميرهما يبين هيئتهما، والمعنى على الأول تخرجون متظاهرين عليهم وعلى الثاني تخرجون فريقاً متظاهراً عليهم، وعلى الثالث تخرجون واقعاً التظاهر منهم عليهم والتظاهر التعاون وأصله من الظهر كأن المتعاونين يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه و( الاثم ) الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم واللوم، وقيل : ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، وفي الحديث :«الاثم ما حاك في صدرك » وهو متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم، وكونه هنا مجازاً عما يوجبه من إطلاق المسبب على سببه كما سميت الخمر إثماً في قوله :
شربت ( الاثم ) حتى ضل عقليكذاك ( الاثم ) تذهب بالعقول
مما لا يدعو إليه داع، والعدوان تجاوز الحد في الظلم.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿تظاهرون﴾ بتخفيف الظاء وأصله بتاءين حذفت ثانيتهما عند أبي حيان وأولاهما عند هاشم وقرأ باقي السبعة بالتشديد على إدغام التاء في الظاء وأبو حيوة ﴿تظاهرون﴾ بضم التاء وكسر الهاء ومجاهد وقتادة باختلاف عنهما ﴿تُظْهِرُونَ﴾ بفتح التاء والظاء والهاء مشددتين دون ألف ورويت عن أبي عمرو أيضاً وبعضهم تتظاهرون على الأصل.
﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم﴾ أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر ( تفدوهم ) وعليه حمل بعض قراءة الباقين إذ لا مفاعلة، وفرق جمع بين فادى وفدى بأن معنى الأول : بادل أسيراً بأسير، والثاني : جمع الفداء ويعكر عليه قول العباس رضي الله تعالى عنه فاديت نفسي وفاديت عقيلا إذ من المعلوم إنه ما بادل أسيراً بأسير، وقيل :( تفادوهم ) بالعنف و( تفدوهم ) بالصلح، وقيل :( تفادوهم ) تطلبوا الفدية من الأسير الذي في أيديكم من أعدائكم ومنه قوله :
قفي فادي أسيرك إن قوميوقومك لا أرى لهم احتفالاً
وقال أبو علي : معناه لغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئاً، وأراه هنا كسابقه في غاية البعد، والقول بأن معنى الآية وإن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ من تضييعكم أنفسكم إلى البطون أقرب كما لا يخفى، والأسارى قيل : جمع أسير بمعنى مأسور وكأنهم حملوا أسيراً على كسلان فجمعوه جمعه كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبويه، ووجه الشبه أن الأسير محبوس عن كثير من تصرفه للأسر والكسلان محبوس عن ذلك لعادته، وقيل : إنه مجموع كذا ابتداء من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى، وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية خلافاً لبعضهم حيث زعم أن الفتح هو الأصل والضم ليزداد قوة، وقيل : جمع أسرى وبه قرأ حمزة وهو جمع أسير كجريح وجرحى فيكون أسارى جمع الجمع قاله المفضل، وقال أبو عمرو : الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوثاق ولا أرى فرقاً بل المأخوذون على سبيل القهر والغلبة مطلقاً أسرى وأسارى.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿تُخْرَجُونَ فَرِيقًا مّنكُم﴾ أو مفعوله بعد اعتبار التقييد بالحال السابقة، وقوله تعالى :﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ﴾ اعتراض بينهما لا معطوف على ﴿تظاهرون﴾ لأن الإتيان لم يكن مقارناً للإخراج وقيد الإخراج بهذه الحال لإفادة أنه لم يكن عن استحقاق ومعصية موجبة له، وتخصيصه بالتقييد دون القتل للاهتمام بشأنه لكونه أشد منه ﴿والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل﴾ [البقرة: ١٩١] وقيل : لا بل لكونه أقل خطراً بالنسبة إلى القتل فكان مظنة التساهل، ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم وذلك مختص بصورة الإخراج إذ لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قصاص وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق، وقيل : النكتة في إعادة تحريم الإخراج وقد أفاده لا تخرجون أنفسكم بأبلغ وجه، وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل أنهم امتثلوا حكماً في باب المخرج وهو الفداء وخالفوا حكماً وهو الإخراج فجمع مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ الخ أشد اتصال ويتضح كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض كمال اتضاح حيث وقع في حق شخص واحد، والضمير للشأن والجملة بعده خبره. وقيل : خبره ( محرم ) و( إخراجهم ) نائب فاعل وهو مذهب الكوفيين وتبعهم المهدوي، وإنما ارتكبوه لأن الخبر المتحمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يجيزون قائم زيد على أن يكون قائم خبراً مقدماً، والبصريون يجوزون ذلك ولا يجيزون هذا الوجه لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه عندهم إلا بجملة مصرح بجزأيها، وقيل : إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضاً و( محرم ) خبره و( إخراجهم ) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه وأجازه الكسائي، وقيل : راجع إلى الإخراج المفهوم من ( تخرجون ) و( إخراجهم ) عطف بيان له أو بدل منه أو من ضمير محرم، وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراج لا وجه لإبداله منه.
ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون هو ضمير فصل، وقد تقدم مع الخبر، والتقدير : وإخراجهم هو محرم عليكم، فلما قدم خبر المبتدأ عليه قدم هو معه ولا يجوزه البصريون ؛ لأن وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا تقارب المعرفة لا يجوز عندهم وتوسطه بين المبتدأ والخبر أو بين ما هما أصله شرط عندهم أيضاً، ولابن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ عطف على ﴿تَقْتُلُونَ﴾ أو على محذوف أي أتفعلون ما ذكر فتؤمنون الخ والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى إذ العهد كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه، وقيل : المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة، وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية أن عبد الله بن سلام مر على رأس/ الجالوت بالكوفة وهو يفادى من النساء ما لم يقع عليه العرب ولا يفادى من وقع عليه العرب فقال له عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن، وروى محيي السنة عن السدي أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه فأعتقوه، ولعل كفرهم بما ارتكبوا لاعتقادهم عدم الحرمة مع دلالة صريح التوراة عليها لكن ما في «الكشاف » من أنه قيل لهم : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم ؟ فقالوا : أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال لكنا نستحي من حلفائنا. يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فإطلاق الكفر حينئذ على فعل ما حرم إما لأنه كان في شرعهم كفراً أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا، والقول بأن المعنى أتستعملون البعض وتتركون البعض فالكلام محمول على المجاز بهذا الاعتبار لا اعتبار به كالقول بأن المراد بالبعض المؤمن به نبوة موسى عليه السلام، والبعض الآخر نبوة نبينا ﷺ.
﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْي فِي الحياة الدنيا﴾ الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض، أو إلى ما فعلوه من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى والجزاء المقابلة ؛ ويطلق في الخير والشر، والخزي الهوان، والماضي خزي بالكسر، وقال ابن السكيت : معنى خزي وقع في بلية وخزي الرجل خزاية إذا استحى وهو خزيان وقوم خزايا وامرأة خزيا والمراد به هنا الفضيحة والعقوبة أو ضرب الجزية غابر الدهر أو غلبة العدو أو قتل قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كان عادة بني قريظة ا
١ _ هكذا الأصل، وعبارة الشهاب هكذا ليفيد أن الذي تغير هو الذات بعينها نعيا عليهم بشدة وكأنه أخذ الميثاق ثم تساهلهم فيه اهـ ولعل في النسخة تحريفا. إدارة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى