الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿أَبَداً﴾. . منصوبٌ بَيَتَمَنَّوْه، وهو ظرفُ زمانٍ يقعُ للقليلِ والكثيرِ، ماضياً كانَ أو مستقبلاً، تقول : ما فَعَلْتُه أبداً، وقال الراغب :" هو عبارةٌ عن مدةِ الزمانِ الممتدِّ الذي لا يَتَجزَّأ كما يتجزَّأُ الزمانُ، وذلك أنه يقال : زمانَ كذا ولا يُقال : أبدَ كذا، وكان مِنْ حَقِّه على هذا ألاَّ يُثَنَّى ولا يُجْمَعَ، وقد قالوا : آباد فجَمَعوه لاختلافِ أنواعِه، وقيل : آباد لغةٌ مُوَلَّدَةٌ، ومجيئُه بعد " لَنْ " يَدُلُّ على أن نَفْيَها لا يقتضي التأبيدَ، وقد تقدَّم ذلك، ودَعْوى التأكيدِ فيه بعيدةٌ ". وقال هنا :" ولن يَتَمَنَّوْه " فنَفى بلن وفي الجمعة ب " لا " قال صاحب المنتخب :" لأنَّ دَعْواهم هنا أعظمُ مِنْ دعواهُمْ هناك لأنَّ السعادةَ القُصْوى فوق مرتبةِ الولايةِ، لأنَّ الثانيةَ تُراد لحصولِ الأولى، والنفيُ ب " لن " أَبْلَغُ مِن النفي بِ " لا ".
قوله :﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ متعلِّقٌ بيتمنَّوْه، والباءُ للسببية أي بسببِ اجتراحِهم العظائمَ. و " ما " يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أَظْهَرُها : كونُها موصولةً بمعنى الذي. والثاني : نكرةٌ موصوفةٌ والعائدُ على كلا القولَيْنِ محذوفٌ أي : بما قَدَّمَتْه، فالجملةُ لا محلَّ لها على الأولِ، ومحلُّها الجرُّ على الثاني. والثالث : أنَّها مصدريَّةٌ أي : بتَقْدِمَةِ أيديهِم. ومفعولُ " قَدَّمَتْ " محذوفٌ أي : بما قَدَّمَتْ أيدِيهم الشرَّ أو التبديلَ ونحوَه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى