البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولن يتمنوه أبداً بما قدّمت أيديهم﴾ : هذا من المعجزات، لأنه إخبار بالغيب، ونظيره من الإخبار بالمغيب قوله :﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ وظاهره أن من ادّعى أن الجنة خالصة له دون الناس ممن اندرج تحت الخطاب في قوله :﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾، لا يمكن أن يتمنى الموت أبداً، ولذلك كان حرف النفي هنا لن الذي قد ادّعى فيه أنه يقتضي النفي على التأبيد، فيكون قوله : أبداً، على زعم من ادعى ذلك للتوكيد.
وأما من ادعى أنه بمعنى لا، فيكون أبداً إذ ذاك مفيداً لاستغراق الأزمان.
ويعني بالأبد هنا : ما يستقبل من زمان أعمارهم.
وفي المنتخب ما نصه : وإنما قال هنا :﴿ولن يتمنوه﴾، وفي الجمعة ﴿ولا يتمنونه﴾ لأن دعواهم هنا أعظم من دعواهم هناك، لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية، لأن الثانية تراد لحصول الأولى، ولن أبلغ في النفي من لا، فجعلها النفي الأعظم.
انتهى كلامه.
قال المهدوي في ( كتاب التحصيل ) من تأليفه : وهذه المعجزة إنما كانت على عهد النبي ﷺ، ثم ارتفعت بوفاته ﷺ.
ونظير ذلك رجل يقول لقوم حدثهم بحديث : دلالة صدقي، أن أحرّك يدي ولا يقدر أحد منكم أن يحرّك يده، فيفعل ذلك، فيكون دليلاً على صدقه، ولا يبطل دلالته أن حركوا أيديهم بعد ذلك.
انتهى كلامه، وقد قاله غيره من المفسرين.
قال ابن عطية : والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمني الموت، إنما كانت أياماً كثيرة عند نزول الآية، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، انتهى كلامه.
وكلا القولين، أعني قول المهدوي وابن عطية، مخالف لظاهر القرآن، لأن أبدأ ظاهره أن يستغرق مدة أعمارهم، كما بيناه.
وهل امتناعهم من تمني الموت، كان لعلمهم أن كل نبي عرض على قومه أمراً وتوعدهم عليه بالهلاك فردوه تكذيباً له، فإن ما توعدهم به واقع لا محالة ؟ أو لعلمهم بصدق رسول الله ﷺ، وأنه لا يقول على الله إلا الحق ؟ أو لصرف الله إياهم عن ذلك، كما قيل في عدم معارضة القرآن بالصرفة ؟ أقوال ثلاثة.
والظاهر أن ذلك معلل ﴿بما قدمت أيديهم﴾.
والذي قدمته أيديهم : تكذيبهم الأنبياء، وقتلهم إياهم، وقولهم :﴿أرنا الله جهرة﴾، وقولهم :﴿اجعل لنا إلهاً﴾ وقولهم :﴿فاذهب أنت وربك﴾ واعتداؤهم في السبت، وسائر الكبائر التي لم تصدر من أمة قبلهم ولا بعدهم.
وهذا التمني الذي طلب منهم، ونفي عنهم، لم يقع أصلاً منهم، إذ لو وقع لنقل، ولتوفرت دواعي المخالفين للإسلام على نقله.
وقد تقدّمت الأقوال في تفسير التمني، والظاهر أنه لا يعني به هنا العمل القلبي، لأنه لا يطلع عليه، فلا يتحدى به، وإنما عنى به القول اللساني كقولك : ليت الأمر يكون.
ألا ترى أنه يقال لقائل ذلك : تمني ؟ وتسمى ليت كلمة تمنّ، ولم ينقل أيضاً أنهم قالوا : تمنينا ذلك بقلوبنا، ولا جائز أن يكون امتناعهم من الإخبار أنهم تمنوا بقلوبهم، كونهم لا يصدّقون في ذلك، لأنهم قد قاولوا المسلمين بأشياء لا يصدقونهم فيها، من الافتراء على الله، وتحريف كتابه، وغير ذلك.
وقال الماتريدي ما ملخصه : أن المؤمن يقول : إن الجنة له، ومع ذلك ليس بتمني الموت.
وأجاب : بأنه لم يجعل لنفسه من المنزلة عند الله من ادعاء بنوّة ومحبة من الله لهم ما جعلته اليهود، لأن جميع المؤمنين، غير الأنبياء، لا يزول عنهم خوف الخاتمة.
والخاطىء منهم مفتقر إلى زمان يتدارك فيه تكفير خطئه.
فلذلك لم يتمن المؤمنون الموت.
ولذلك كان المبشرون بالجنة يتمنونه.
وذكروا في ما من قوله :﴿بما قدمت﴾، أنها تكون مصدرية، والظاهر أنها موصول، والعائد محذوف، وهي كناية عما اجترحوه من المعاصي السابقة.
ونسب التقديم لليد مجازاً، والمعنى بما قدّموه، إذ كانت اليد أكثر الجوارح تصرفاً في الخير والشر.
وكثر هذا الاستعمال في القرآن :﴿ذلك بما قدّمت يداك﴾ ﴿بما قدّمت أيديكم﴾ ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ وقيل : المراد اليد حقيقة هنا، والذي قدّمته أيديهم هو تغيير صفة رسول الله ﷺ، وكان ذلك بكتابة أيديهم.
﴿والله عليم بالظالمين﴾ : هذه جملة خبرية، ومعناها : التهديد والوعيد، وعلم الله متعلق بالظالم وغير الظالم.
فالاقتصار على ذكر الظالم يدل على حصول الوعيد.
وقيل : معناه مجازيهم على ظلمهم، فكنى بالعلم عن الجزاء، وعلق العلم بالوصف ليدل على العلية، والألف واللام في الظالمين للعهد، فتختص باليهود الذين تقدّم ذكرهم، أو للجنس، فتعم كل ظالم.
وإنما ذكر الظالمين، لأن الظلم هو تجاوز ما حدّ الله، ولا شيء أبلغ في التعدّي من ادعاء خلوص الجنة لمن لم يتلبس بشيء من مقتضاتها، وانفراده بذلك دون الناس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الامتنان على بني إسرائيل وتذكارهم بنعم الله، إذ آتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل لتجديد دين الله وشرائعه، وآتى عيسى الأمور الخارقة، من إحياء الأموات، وإبراء الأكمة والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيبات، وغير ذلك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
ملأت ببعض حبك كل قلبيفإن ترد الزيادة هات قلبا
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقة، بل نسب ذلك إليهم، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله.
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى