فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
و«ما » في قوله :﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ موصولة، والعائد محذوف، أي بما قدّمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب، بل غير طامع في دخول الجنة، فضلاً عن كونه قاطعاً بها، فضلاً عن كونها خالصة له مختصة به، وقيل إن الله سبحانه صرفهم عن التمني ؛ ليجعل ذلك آية لنبيه ﷺ. والمراد بالتمني هنا هو اللفظ بما يدل عليه، لا مجرد خطوره بالقلب، وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة، ومواطن الخصومة، ومواقف التحدي. وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله ﷺ، فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف، والتجرؤ على الله، وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة، في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرّر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت، إما لأمر قد علموه، أو للصرفة من الله عز وجل. وقد يقال : ثبت النهي عن النبي ﷺ عن تمني الموت، فكيف أمره الله أن يأمرهم بما هو منهيّ عنه في شريعته. ويجاب بأن المراد هنا : إلزامهم الحجة، وإقامة البرهان على بطلان دعواهم. وقوله :﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ تهديد لهم، وتسجيل عليهم بأنهم كذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ العجل﴾ قال : أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، أن اليهود لما قالوا :﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١]، نزل قوله تعالى :﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الاخرة﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، مثله عن قتادة. وأخرج البيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، أن قوله :﴿خَالِصَةً من دُونِ الناس﴾ يعني المؤمنين :﴿فَتَمَنَّوا الموت﴾ فقال لهم رسول الله :" إن كنتم في مقالتكم صادقين، فقولوا :" اللهم أمتنا "، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غصّ بريقه، فمات مكانه " وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فَتَمَنَّوا الموت﴾ أي : ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على الأرض يهوديّ إلا مات. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر وأبو نعيم عنه قال :«لو تمنى اليهود الموت لماتوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج البخاري، وغيره من حديثه مرفوعاً :«لو أن اليهود تمنوا لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار». وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله :﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة﴾ قال اليهود :﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا﴾ قال : وذلك أن المشركين لا يرجون بعثاً بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله من الخزي بما ضيع ما عنده من العلم :﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ قال : بمنحيه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عنه في قوله :﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال : هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم «ده هز ارسال» يعني عش ألف سنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى