البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ميكائيل : الكلام فيه كالكلام في جبريل، أعني من منع الصرف.
وبعد قول من ذهب إلى أنه مشتق من ملكوت الله، أو ذهب إلى أن معنى ميكا : عبد، وايل : اسم من أسماء الله تعالى، وقد تصرفت فيه العرب.
قالوا : ميكال، كمفعال، وبها قرأ أبو عمرو وحفص، وهي لغة الحجاز.
وقال الشاعر :
ويوم بدر لقيناكم لنا مددفيه مع النصر ميكال وجبريل
وكذلك.
إلا أن بعد الألف همزة، وبها قرأ نافع وابن شنبوذ لقنبل، وكذلك.
إلا أنه بياء بعد الهمزة، وبها قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر، وغير ابن شنبوذ لقنبل والبزي.
وميكييل كميكعيل، وبها قرأ ابن محيصن، وكذلك.
إلا أنه لا ياء بعد الهمزة.
وقرئ بها : وميكاييل بياءين بعد الألف، أولاهما مكسورة، وبها قرأ الأعمش.
﴿من كان عدوًّا لله﴾ : العداوة بين الله والعبد لا تكون حقيقة، وعداوة العبد لله تعالى مجاز، ومعناها : مخالفة الأمر، وعداوة الله للعبد، مجازاته على مخالفته.
﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾.
أكد بقوله : وملائكته، أمر جبريل، إذ اليهود قد أخبرت أنه عدوهم من الملائكة، لكونه يأتي بالهلاك والعذاب، فرد عليهم في الآية السابقة، بأنه أتى بأصل الخيور كلها، وهو القرآن الجامع لتلك الصفات الشريفة، من موافقته لكتبهم، وكونه هدى وبشرى، فكانت تجب محبته.
وردّ عليهم في هذه الآية، بأن قرنه باسمه تعالى مندرجاً تحت عموم ملائكته، ثم ثانياً تحت عموم رسله، لأن الرسل تشمل الملائكة وغيرهم ممن أرسل من بني آدم، ثم ثالثاً بالتنصيص على ذكره مجرداً مع من يدّعون أنهم يحبونه، وهو ميكال، فصار مذكوراً في هذه الآية ثلاث مرار، كل ذلك رد على اليهود وذم لهم، وتنويه بجبريل.
ودلت الآية على أن الله تعالى عدوّ لمن عادى الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال.
ولا يدل ذلك على أن المراد من جمع عداوة الجميع، فالله تعالى عدوّه، وإنما المعنى أن من عادى واحداً ممن ذكر، فالله عدوه، إذ معاداة واحد ممن ذكر معاداة للجميع.
وقد أجمع المسلمون على أن من أبغض رسولاً أو ملكاً فقد كفر.
فقال بعض الناس : الواو هنا بمعنى أو، وليست للجمع.
وقال بعضهم : الواو للتفصيل، ولا يراد أيضاً أن يكون عدواً لجميع الملائكة، ولا لجميع الرسل، بل هذ من باب التعليق على الجنس بصورة الجمع، كقولك : إن كلمت الرجال فأنت طالق، لا يريد بذلك إن كلمت كل الرجال، ولا أقل ما ينطلق عليه الجمع، وإنما علق بالجنس، وإن كان بصورة الجمع، فلو كلمت رجلاً واحداً طلقت، فكذلك هذا الجمع في الملائكة والرسل.
فالمعنى أن من عادى الله، أو ملكاً من ملائكته، أو رسولاً من رسله، فالله عدوّ له.
وقال الماتريدي : يحتمل أن يكون الافتتاح باسم الله، على سبيل التعظيم لمن ذكر بعده، كقوله تعالى :﴿فأَن لله خمسهُ﴾ وخص جبريل وميكال بالذكر تشريفاً لهما وتفضيلاً.
وقد ذكرنا عن أستاذنا أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير، قدس الله روحه، أنه كان يسمي لنا هذا النوع بالتجريد، وهو أن يكون الشيء مندرجاً تحت عموم، ثم تفرده بالذكر، وذلك لمعنى مختص به دون أفراد ذلك العام.
فجبريل وميكال جعلاً كأنهما من جنس آخر، ونزل التغاير في الوصف كالتغاير في الجنس، فعطف.
وهذا النوع من العطف، أعني عطف الخاص على العام، على سبيل التفضيل، هو من الأحكام التي انفردت بها الواو، فلا يجوز ذلك في غيرها من حروف العطف.
وقيل : خصا بالذكر، لأن اليهود ذكرهما، ونزلت الآية بسببهما.
فلو لم يذكرا، لكان لليهود تعلق بأن يقولوا : لم نعاد الله ؟ ولا جميع ملائكته ؟ وقيل : خصاً بالذكر دفعاً لإشكال : أن الموجب للكفر عداوة جميع الملائكة، لا واحد منهم.
فكأنه قيل : أو واحد منهم.
وجاء هذا الترتيب في غاية الحسن، فابتدىء بذكر الله، ثم بذكر الوسائط التي بينه وبين الرسل، ثم بذكر الوسائط التي بين الملائكة وبين المرسل إليهم.
فهذا ترتيب بحسب الوحي.
ولا يدل تقديم الملائكة في الذكر على تفضيلهم على رسل بني آدم، لأن الترتيب الذي ذكرناه هو ترتيب بالنسبة إلى الوسائط، لا بالنسبة إلى التفضيل.
ويأتي قول الزمخشري : بأن الملائكة أشرف من الأنبياء، إن شاء الله، قالوا : واختصاص جبريل وميكال بالذكر يدل على كونهما أشرف من جميع الملائكة.
وقالوا : جبريل أفضل من ميكال، لأنه قدم في الذكر، ولأنه ينزل بالوحي والعلم، وهو مادة الأرواح.
وميكال ينزل بالخصب والأمطار، وهي مادة الأبدان، وغذاء الأرواح أشرف من غذاء الأشباح، انتهى.
ويحتاج تفضيل جبريل على ميكائيل إلى نص جلي واضح، والتقدم في الذكر لا يدل على التفضيل، إذ يحتمل أن يكون ذلك من باب الترقي.
ومن : في قوله :﴿من كان عدوًّا﴾ شرطية.
واختلف في الجواب فقيل : هو محذوف، تقديره : فهو كافر، وحذف لدلالة المعنى عليه.
وقيل الجواب :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وأتى باسم الله ظاهراً، ولم يأت بأنه عدوّ لاحتمال أن يفهم أن الضمير عائد على اسم الشرط فينقلب المعنى، أو عائد على أقرب مذكور، وهو ميكال، فأظهر الاسم لزوال اللبس، أو للتعظيم والتفخيم، لأن العرب إذا فخمت شيئاً كررته بالاسم الذي تقدم له منه :﴿لينصرنه الله﴾ ﴿إن الله لقوي عزيز﴾ وقول الشاعر :
لا أرى الموت يسبق الموت شيئا***
وهذه الجملة الواقعة خبراً للشرط، تحتاج إلى رابط لجملة الجزاء باسم الشرط.
والرابط هنا الاسم الظاهر وهو : الكافرين، أوقع الظاهر موقع الضمير لتواخي أواخر الآي، ولينص على علة العداوة، وهي الكفر، إذ من عادى من تقدّم ذكره، أو واحداً منهم، فهو كافر.
أو يراد بالكافرين العموم، فيكون الرابط العموم، إذ الكفر يكون بأنواع، وهؤلاء الكفار بهذا الشيء الخاص فرد من أفراد العموم، فيحصل الربط بذلك.
وقال الزمخشري : عدوّ للكافرين، أراد عدوّ لهم، فجاء بالظاهر ليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر.
وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً، فما بال الملائكة ؟ وهم أشرف.
والمعنى : من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدّ العقاب.
انتهى كلامه.
وهذا مذهب المعتزلة يذهبون إلى أن الملائكة أفضل من خواص بني آدم.
ودل كلام الزمخشري على أن الظاهر وقع موقع الضمير، وأنه لم يلحظ فيه العموم، وقال ابن عطية : وجاءت العبارة بعموم الكافرين، لأن عود الضمير على من يشكل، سواء أفردته أو جمعته، ولو لم يبال بالإشكال.
وقلنا : المعنى يدل السامع على المقصد للزم تعيين قوم بعداوة الله لهم.
ويحتمل أن الله قد علم أن بعضهم يؤمن، فلا ينبغي أن يطلق عليه عداوة الله للمآل.
وروي أن عمر نطق بهذه الآية مجاوباً لبعض اليهود في قوله : ذلك عدوّنا، يعني جبريل، فنزلت على لسان عمر.
قال ابن عطية : وهذا الخبر ضعيف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه اليهود من خبث السريرة، وعدم التوفيق والطواعية لأنبياء الله، ونصب المعاداة لهم، حتى انتهى ذلك إلى عداوتهم من لا يلحقه ضرر عداوتهم، وهو من لا ينبغي أن يعادى، لأنه السفير بين الله وبين خلقه، وهو جبريل.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى