التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق، ومن إنكارهم له مع علمهم به، فقال - تعالى - ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾. أى : إن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل الكتاب، ما تفرقوا فى أمره، وما اختلفوا فى شأن نبوتك.. إلأ من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك، دلالة لا يجحدها إلا جهول، ولا ينكرها إلا حسود، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا.
فالآية الكريمة كلام مستأنف، المقصود به تسليته ﷺ عما أصابه من هؤلاء الجاحدين، فكأنه - سبحانه - يقول له : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لإِعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله.
وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر، مع أن الكلام فى أول السورة كان فيهم وفى المشركين، للدلالة على شناعة حالهم، وقبح فعالهم، لأن الإِعراض عن الحق ممن له كتاب، أشد قبحا ونكرا، ممن ليس له كتاب وهم المشركون.
والاستثناء فى الآية مفرغ، والمستثنى منه عموم الأوقات. والمعنى : لم يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات، إلا فى الوقت الكائن بعد مجيء البينة لهم.
ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى