مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ولما طيب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين في هذا الباب سلاه بعد ذلك من وجه آخر وهو قوله :﴿والله من ورائهم محيط﴾ وفيه وجوه ( أحدها ) : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحوزته، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه، فلا يجد مهربا يقول تعالى : فهو كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم إياك، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم ( وثانيها ) : أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقوله تعالى :﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها﴾ وقوله :﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ وقوله :﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك، يقول : فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا الهلاك ( وثالثها ) : أن يكون المراد والله محيط بأعمالهم، أي عالم بها، فهو مرصد بعقابهم عليها