جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : الّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ يقول جلّ ثناؤه : ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم التي لم يخلق مثلها في البلاد، يعني : مثل عاد، والهاء عائدة على عاد. وجائز أن تكون عائدة على إرم، لما قد بيّنا قبلُ أنها قبيلة. وإنما عُنِي بقوله : لم يُخلق مثلها في العِظَمِ والبطش والأَيْد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : الّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ : ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولاً في السماء.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، لم يخلق مثل الأعمدة في البلاد، وقالوا : التي لم يخلق مثلها من صفة ذات العماد، والهاء التي في مثلها إنما هي من ذكر ذات العماد. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله، فذكر نحوه.
وهذا قول لا وجه له، لأن العماد واحد مذكر، والتي للأنثى، ولا يوصف المذكر بالتي، ولو كان ذلك من صفة العِماد لقيل : الذي لم يخلق مثله في البلاد، وإن جعلت التي لإرم، وجعلت الهاء عائدة في قوله : مِثْلُها عليها وقيل : هي دِمشق أو إسكندرية، فإن بلاد عاد هي التي وصفها الله في كتابه فقال : وَاذْكُرْ أخا عَادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ والأحقاف : هي جمع حِقْف، وهو ما انعطف من الرمل وانحنى، وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلاد الرمال، بل ذلك الشّحْر من بلاد حضرموت، وما والاها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى