غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وأما النفث فهو النفخ بريق. وقيل : النفخ فقط. والعقد : جمع عقدة. والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطاً ولا يزال يعقد عليه عقداً بعد عقد، وينفث في تلك العقد. ووجه التأنيث إما الجماعة ؛ لأن اجتماع السحرة على عمل واحد أبلغ تأثيراً، وإما لأن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن، وذلك أن الأصل الكلي في ذلك الفن هو ربط القلب، وتعليق الوهم بذلك الأمر، وأنه في النساء أوفر لقلة علمهن، وشدّة شهوتهن. وقال أبو عبيدة : إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن النبي ﷺ. وقال أبو مسلم : العقد عزائم الرجال، والنفث حلها ؛ لأن من يريد حل عقدة الحبل ينفث عليه بريق يقذفه عليه، ليصير حله سهلاً. والمعنى : إن النساء لكثرة حيلهن يتصرفن في عزائم الرجال يحوّلنهم من رأي إلى رأي، ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوّذ من شرهن، وهذا القول مناسب لما جاء في مواضع أخر من القرآن ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤]، ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٨]، والاستعاذة منهن الاستعاذة من إثم عملهن، أو من فتنتهن الناس بسحرهن، أو من إطعامهن الأطعمة الردية المورثة للجنون، و الموت. والحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه حتى لو تمكن من ذلك بالحيل لفعل، فلذلك أمر الله رسوله ﷺ بالتعوذ منه، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرّز منه ديناً ودنيا، فلذلك لما نزلت فرح رسول الله ﷺ بها لكونها مع أختها جامعة في التعوذ من كل شيء ؛ بل قوله ﴿من شر ما خلق﴾ عام، والبواقي تخصيص بعد تعميم، تنبيهاً على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ منه. وعرفت النفاثات ؛ لأن كل نفاثة شريرة، ونكر ﴿غاسق﴾ و ﴿حاسد﴾ ؛ لأنه ليس كل غاسق بشره ؛ بل الليل للغاسقين شر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الوقوف :﴿الفلق﴾ ه لا ﴿خلق﴾ ه لا ﴿وقب﴾ ه لا ﴿العقد﴾ ه لا ﴿حاسد﴾ ﴿إذا حسد﴾ ه.