إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿وَمِن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ أيْ وَمِنْ شَرِّ النفوسِ أو النساءِ السواحرِ اللاتِي يعقدنَ عُقَداً في خيوطٍ ويَنْفُثنَ عليهَا. والنفثُ : النفخُ معَ ريقٍ، وقيلَ : بدونِ ريقٍ.
وقُرِئَ ( النافثاتُ )، كما قُرِئَ ( النفثاتُ ) بغيرِ ألفٍ.
وتعريفُهَا إمَّا للعهدِ، أوْ للإيذانِ بشمولِ الشرِّ لجميعِ أفرادِهِنَّ، وتمحضهنَّ فيهِ، وتخصيصُهُ بالذكرِ لما رَوَى ابْنُ عبَّاسٍ وعائشةُ رَضِيَ الله عنهُم أنَّهُ كانَ غلامٌ من اليهودِ يخدمُ النبيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ عندَهُ أسنانٌ منْ مشطِهِ عليهِ السلامُ، فأعطَاهَا اليهودَ فسحرُوهُ عليهِ السلامُ فيهَا، وتولاَّهُ لبيْدُ بنُ الأَعصمِ اليهوديُّ وبناتُهُ، وهُنَّ النافثاتُ في العقدِ، فدفَنَها في بئرِ أريسٍ، فمرضَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فنزلَ جبريلُ عليهِ السلامُ بالمعوذتينِ، وأخبرَهُ بموضعِ السحرِ، وبمَنْ سحرَهُ، وبمَ سحرَهُ، فأرسلَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ علياً -كرمَ الله وجْهَهُ- والزبيرَ وعمَّاراً رضيَ الله عنْهُما فنزحُوا ماءَ البئرِ، فكأنَّهُ نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، ثمَّ رفعُوا راعوثةَ(١) البئرِ- وهيَ الصخرةُ التي توضعُ في أسفلِ البئرِ - فأخرجُوا منْ تحتِهَا الأسنانَ ومعَها وترٌ قدْ عُقِدَ فيهِ إحدَى عشرةَ عقدةً مغرزةً بالأبرِ، فجاءُوا بهَا النبيَّ ﷺ، فجعلَ يقرأُ المعوذتينِ عليهَا، فكانَ كلَّما قرأَ آيةً انحلتْ عقدةٌ، ووجدَ عليهِ السلامُ خفةً، حتَّى انحلتْ العقدةُ الأخيرةُ عندَ تمامِ السورتينِ، فقامَ عليهِ السلامُ كأنَّما أنشطَ مِنْ عقالٍ فقالُوا : يا رسولَ الله، أفلا نقتلُ الخبيثَ ؟ فقالَ عليهِ السلامُ :«أمَّا أنَا فقَد عافانِي الله عزَّ وجلَّ، وأكرَهُ أنْ أثيرَ عَلى الناسِ شَراً »(٢). قالتْ عائشةُ رضيَ الله عنهَا : ما غضبَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ غضباً ينتقمُ لنفسِهِ قطُّ إلاَّ أنْ يكونَ شيئاً هُو لله تَعَالَى، فيغضبُ لله وينتقمُ. وقيلَ : المرادُ بالنفثِ في العُقَدِ إبطالُ عزائمِ الرجالِ بالحيلِ، مستعارٌ مِنْ تليينِ العقدةِ بنفثِ الريقِ ليسهلَ حلُّها.
١ يقال لراعوفة البئر راعوثة وهي صخرة تترك في أسفل البئر إذا احتفرت تكون هناك ويقال هي حجر يكون على رأس البئر يقوم عليها المستقي..
٢ أخرجه البخاري في كتاب الطب باب (٤٧، ٥٠)؛ وابن ماجه في كتاب الطب باب (٤٥)؛ كما أخرجه أحمد في المسند (٦/٥٧، ٦٣، ٦٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى