فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج﴾ أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو وترك الجهاد لعدم استطاعتهم، قال مقاتل : عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية، والحرج الآثم.
وعن زيد بن ثابت قال :" كنت أكتب لرسول الله ﷺ وإني لواضع القلم على أذني إذا أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال : كيف لي وأنا ذاهب البصر ؟ فنزلت ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ الآية(١)، قال : هذا في الجهاد وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا "، أخرجه الطبراني، قال السيوطي بسند حسن : وهذه أعذار صحيحه ظاهرة، لأن أصحابها لا يقدرون على الكر والفر، وهناك أعذار أخر ذكرها الخازن وغيره، وموضعها كتب الفقه دون التفسير.
﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ فيما أمراه به ونهياه عنه، ومنه الجهاد ﴿يدخله﴾ بالياء وقرئ بالنون وهما سبعيتان ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذابا أليما﴾ أي ومن يعرض عن الطاعة، ويستمر على الكفر والنفاق يعذبه الله عذابا شديد الألم، كرر الوعيد لأن المقام أدعى للترهيب وفصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد، لكون الغفران والرحمة من دأبه بخلاف التعذيب، ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا نياتهم وشهدوا بيعة الرضوان فقال :
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ أي رضي الله عنهم وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان وكانت بالحديبية، وهذه الشجرة هي سمرة كانت بها، وقيل : سدرة، وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا وروي أنه بايعهم على الموت وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة والسمرة من شجر الطلح، وجمهور المفسرين على أن المراد بالطلح في القرآن الموز، وفي الصحيح عن ابن عمر أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها، حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع أو ضر، كما نشاهده الآن فيها دونها، ولذلك أشار ابن عمر بقوله : كان خفاؤها رحمة من الله، كذا في الفتح وشرح المواهب.
١ صحيح الجامع الصغير..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى