مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا﴾ أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله :﴿صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ﴾ [الاحزاب: ٢٣]. رُوي أن رسول الله ﷺ رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلفوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا : إن رؤيا رسول الله ﷺ حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره : والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت ﴿بالحق﴾ متعلق ب ﴿صَدَقَ﴾ أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه، وجوابه ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام﴾ وعلى الأول هو جواب قسم محذوف ﴿إِن شَآءَ الله﴾ حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم، أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته ﴿ءَامِنِينَ﴾ حال والشرط معترض ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿ءَامِنِينَ﴾ ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ أي جميع شعورها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بعض شعورها ﴿لاَ تخافون﴾ حال مؤكدة ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أي من دون فتح مكة ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى