المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
روي في تفسير هذه الآية، أن رسول الله ﷺ رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون. وقال مجاهد : أرى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه ﴿الرؤيا﴾، ووثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن ذلك يكون. لكن ليس في تلك الجهة. وروي أن رؤياه إنما كانت أن ملكاً جاءه فقال له :﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾، وإنه بهذا أعلم الناس فلما قضى الله في الحديبية بأمر الصلح، وأخذ رسول الله ﷺ في الصدر(١)، وقال المنافقون : وأين الرؤيا ؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى :﴿لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق﴾. و :﴿صدق﴾ هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول صدقت زيداً الحديث. واللام في :﴿لتدخلن﴾ لام القسم الذي تقتضيه ﴿صدق﴾ لأنها من قبيل تبين وتحقق، ونحوها مما يعطي القسم.
واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو استثناء من الملك المخبر للنبي عليه السلام في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعماله في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون، وقال بعض العلماء : إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون : استثنى لأجل قوله :﴿آمنين﴾ لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب. وقال قوم :﴿إن﴾ بمعنى إذ فكأنه قال : إذ شاء الله.
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن في معناه، ولكن كون ﴿إن﴾ بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب، وللناس بعد في هذه الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ذكرها، لأنها لا طائل فيها.
وقرأ ابن مسعود :«إن شاء الله لا تخافون » بدل ﴿آمنين﴾.
ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من الزمن، واطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله ﷺ إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه ﷺ.
وقوله :﴿فعلم ما لم تعلموا﴾ يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما كان أيضاً بمكة من المؤمنين دفع الله تعالى(٢) بهم. وقوله تعالى :﴿من دون ذلك﴾، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم.
واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة : هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي ﷺ : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال :«نعم » وقال ابن زيد : الفتح القريب : خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول الله ﷺ إلى فتحها. وقال قوم : الفتح القريب : فتح مكة، وهذا ضعيف، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي ﷺ فيه ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولاً خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة.
واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو استثناء من الملك المخبر للنبي عليه السلام في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعماله في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون، وقال بعض العلماء : إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون : استثنى لأجل قوله :﴿آمنين﴾ لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب. وقال قوم :﴿إن﴾ بمعنى إذ فكأنه قال : إذ شاء الله.
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن في معناه، ولكن كون ﴿إن﴾ بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب، وللناس بعد في هذه الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ذكرها، لأنها لا طائل فيها.
وقرأ ابن مسعود :«إن شاء الله لا تخافون » بدل ﴿آمنين﴾.
ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من الزمن، واطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله ﷺ إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه ﷺ.
وقوله :﴿فعلم ما لم تعلموا﴾ يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما كان أيضاً بمكة من المؤمنين دفع الله تعالى(٢) بهم. وقوله تعالى :﴿من دون ذلك﴾، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم.
واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة : هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي ﷺ : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال :«نعم » وقال ابن زيد : الفتح القريب : خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول الله ﷺ إلى فتحها. وقال قوم : الفتح القريب : فتح مكة، وهذا ضعيف، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي ﷺ فيه ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولاً خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة.
١ في بعض النسخ: وأخذ الناس في الصدر، والصدر هنا: الرجوع والعودة، يقال: صدر عن المكان والورود صدرا وصدرا: رجع وانصرف..
٢ يريد أن الله تعالى دفع بهم عن أهل مكة من الكفار، ولم يكن للمسلمين من دخول مكة رحمة بمن فيها من المؤمنين الذين لم يكونوا معروفين..
٢ يريد أن الله تعالى دفع بهم عن أهل مكة من الكفار، ولم يكن للمسلمين من دخول مكة رحمة بمن فيها من المؤمنين الذين لم يكونوا معروفين..