جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
ثم اختلفت القرّاء في قراءة قوله : لِتُؤْمِنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهِ فقرأ جميع ذلك عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء، بالتاء لِتُؤْمِنُوا، وتُعَزّرُوهُ، وَتُوَقّرُوهُ، وَتُسَبّحُوهُ بمعنى : لتؤمنوا بالله ورسوله أنتم أيها الناس. وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو كله بالياء «لِيُؤْمِنُوا، ويُعَزّرُوهُ، ويُوَقّرُوهُ، ويُسَبّحُوهُ » بمعنى : إنا أرسلناك شاهدا إلى الخلق ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزّروه.
والصواب من القول في ذلك : إن يقال : إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدا وَمُبَشّرا وَنَذِيرا يقول : شاهدا على أمته على أنه قد بلغهم ومبشرا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا من النار.
وقوله : وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم : تجلّوه، وتعظموه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وَيُعَزّرُوهُ يعني : الإجلال وَيُوَقّرُوهُ يعني : التعظيم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَيُعَزّرُوهُ وَيُوَقّرُوهُ كل هذا تعظيم وإجلال.
وقال آخرون : معنى قوله : وَيُعَزّرُوهُ : وينصروه، ومعنى وَيُوَقّرُوهُ ويفخموه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَيُعَزّرُوهُ : ينصروه وَيُوَقّرُوهُ أمر الله بتسويده وتفخيمه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : وَيُعَزّرُوهُ قال : ينصروه، ويوقروه : أي ليعظموه.
حدثني أبو هريرة الضّبَعيّ، قال : حدثنا حرميّ، عن شعبة، عن أبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، عن عكرِمة وَيُعَزّرُوهُ قال : يقاتلون معه بالسيف.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : ثني هشيم، عن أبي بشر، عن عكرِمة، مثله.
حدثني أحمد بن الوليد، قال : حدثنا عثمان بن عمر، عن سعيد، عن أبي بشر، عن عكرِمة، بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى ومحمد بن جعفر، قالا : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عكرِمة، مثله.
وقال آخرون : معنى ذلك : ويعظموه. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَيُعَزّرُوهُ وَيُوَقّرُوهُ قال : الطاعة لله.
وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها. ومعنى التعزير في هذا الموضع : التقوية بالنّصرة والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.
وقد بيّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
فأما التوقير : فهو التعظيم والإجلال والتفخيم.
وقوله : وَتُسَبّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً يقول : وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات. والهاء في قوله : وَتُسَبّحُوهُ من ذكر الله وحده دون الرسول. وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات :«وَيُسَبّحُوا اللّهَ بُكْرَةً وأصِيلاً ». وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة «وَيُسَبّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً » في بعض القراءة «ويسبّحوا الله بكرة وأصيلاً ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في بعض الحروف «وَيُسَبّحُوا اللّهَ بُكْرَةً وَأصِيلاً ».
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :«وَيُسَبّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً » يقول : يسبحون الله رجع إلى نفسه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى