جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي

عن الكتاب
﴿الرحمان الرحيم﴾(١)
إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظن أنه مكرر، فلا تكرر في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة. وذكر الرحمة بعد ذكر العالمين وقبل ذكر ﴿ملك يوم الدين﴾ ينطوي على فائدتين عظمتين في تفصيل مجاري الرحمة :
إحداهما : تلتفت إلى خلق رب العالمين : فإنه خلق كل واحد منهم على أكمل أنواعه وأفضلها، وآتاه كل ما يحتاج إليه. فأحد العوالم التي خلقها عالم البهائم، وأصغرها البعوض والذباب والعنكبوت والنحل.
فانظر إلى البعوض : كيف خلق أعضاءها، فقد خلق عليها كل عضو خلقه على الفيل، حتى خلق له خرطوما مستطيلا حاد الرأس ثم هداه إلى غذائه إلى أني مص دم الآدمي، فتراه يغرز فيه خرطومه ويمص من ذلك التجويف غذاء، وخلق له جناحين ليكون له آلة الهرب إذا قصد دفعه.
وانظر إلى الذباب كيف خلق أعضاءه، وخلق حدقتيه مكشوفتين بلا أجفان، إذ لا يحتمل رأسه الصغير الأجفان، والأجفان يحتاج إليها لتصقيل الحدقة مما يلحقها من الأقذاء والغبار، وانظر كيف خلق له بدلا عن الأجفان يدين زائدتين، فله سوى الأرجل الأربع يدان زائدتان، تراه إذا وقع على الأرض لا يزال يمسح حدقتيه بيديه يصقلها عن الغبار.
وانظر إلى العنكبوت : كيف خلق أطرافها وعلمها حيلة النسج، وكيف علمها حيلة الصيد بغير جناحين، إذ خلق لها لعابا لزجا تعلق نفسها به في زاوية، وتترصد طيران الذباب بالقرب منها، فترمي إليه نفسها فتأخذ وتقيده بخيطها الممدود من لعابها، فتعجزه عن الإفلات حتى تأكله أو تدخره.
وانظر إلى نسج العنكبوت لبيتها، كيف هداها الله نسجه على التناسب الهندسي في ترتيب السدي واللحمة.
وانظر إلى النحل وعجائبها التي لا تحصى ؛ في جمع الشهد والشمع، وننبهك على هندستها في بناء بيتها فإنها تبني على شكل المسدس، كي لا يضيق المكان على رفقائها، لأنها تزدحم في موضع واحد على كثرتها، ولو بنت البيوت مستديرة لبقي خارج المستديرات فرج ضائعة، فإن الدوائر لا تراص، وكذلك سائر الأشكال، وأما المربعات فتراص، ولكن شكل النحل يميل إلى الاستدارة فيبقى داخل البيت زوايا ضائعة، كما يبقى في المستدير خارج البيت فرج ضائعة، فلا شكل من الأشكال يقرب من المستدير في التراص غير المسدس، وذلك يعرف بالبرهان الهندسي.
فانظر كيف هداه الله خاصية هذا الشكل، وهذا أنموذج من عجائب صنع الله ولطفه ورحمته بخلقه، فإن الأدنى ينبه على الأعلى، وهذه الغرائب لا يمكن أن تستقصي في أعمار طويلة، أعني : ما انكشف للآدميين منها، وأنه ليسير بالإضافة إلى ما لا ينكشف، أو استأثر هو والملائكة بعلمه، وربما تجد تلويحات من هذا الجنس في كتاب " الشكر " وكتاب " المحبة " فاطلبه إن كنت له أهلا، وإلا فغض بصرك عن آثار رحمة الله ولا تنظر إليها، ولا تسرح في ميدان معرفة الصنع ولا تتفرج فيه، واشتغل بأشعار المتنبي وغرائب النحو لسيبويه وفروع ابن الحداد(٢) في نوادر الطلاق وحيل المجادلة في الكلام، فذلك أليق بك، فإن قيمتك على قدر همتك ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾(٣) و﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾(٤). ولنرجع إلى الغرض، والمقصود التنبيه على أنموذج من رحمة الله في خلق العالمين.
وثانيهما : تعلقها بقول :﴿ملك يوم الدين﴾(٥) فيشير إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد في مقابلة كلمة وعبادة، وشرح ذلك يطول.
والمقصود : أنه لا مكرر في القرآن، فإن رأيت شيئا مكررا من حيث الظاهر، فانظر في سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد في إعادته.
١٤- الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف. [ روضة الطالبين ضمن المجموعة رقم ٢ ص : ٦٦ ].
١ - الفاتحة: ٣.
٢ - هو الإمام العلامة الثبت شيخ الإسلام، عالم العصر، أبو بكر محمد بن الحداد بن محمد بن جعفر الكناني المصري الشافعي ابن الحداد صاحب كتاب "الفروع" في المذهب لازم النسائي كثيرا ولم يحدث عن غيره، (ت ٣٤٤هـ) ن وفيات الأعيان ٤/١٩٧-١٩٨ وشذرات الذهب ٢/٣٦٧-٣٦٨..
٣ - هود: ٣٤..
٤ - فاطر: ٢..
٥ - الفاتحة: ٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى