البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
و﴿الرحمن الرحيم﴾ اسمان بُنيا للمبالغة، من رَحِمَ، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة، رَقَّةُ القلب(١)، وانعطافٌ يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرَّحِم(٢) ؛ لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تُؤخذ باعتبار الغايات، التي هي أفعال(٣)، دون المبادئ التي هي انفعالات، و﴿الرحمان﴾ أبلغ من ﴿الرحيم﴾ ؛ لأن زيادةَ المبنى تدل على زيادة المعنى(٤)، كقَطَّعَ وقَطَعَ، وذلك إنما يُؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية.
فعلى الأول : قيل : يا رحمانَ الدنيا ؛ لأنه يَعُمُّ المؤمنَ والكافر، ورحيمَ الآخرة ؛ لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل : يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ؛ لأن النعم الأخروية كلها جِسَام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.
وإنما قدّم ﴿الرحمان﴾ - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدُّم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعَلَم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغُ في الرحمة غايتَها، وذلك لا يصدُق على غيره تعالى. انظر البيضاوي(٥). وسيأتي الكلام عليهما في المعنى.
ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصلَه بقوله :﴿الرحمان الرحيم﴾، أي : الرحمان بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مُكَوَّنَ منهما : نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولاً بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد ". كما في ( الحِكَم ) (٦). فاسمُه ﴿الرحمان﴾ يقتضي إيجادَ الأشياء وإبرازها، واسمه ﴿الرحيم﴾ يقتضي تربيتَها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم ﴿الرحمان﴾ على أحد، ولم يَتَسَمَّ أحد به(٧) ؛ إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه ﴿الرحيم﴾ فيجوز إطلاقه على غيره تعالى ؛ لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازاً وعاريةً(٨).
أو : الرحمان في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة : لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمان بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل : نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائقُ النعم مثل : الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المُنْعَم عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿الإشارة﴾(٦) لما تلجَّى الحق سبحانه من عالَم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول : من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجَّد نفسه بنفسه، ووحَّد نفسه بنفسه، ولله دَرُّ الهَرَوِيّ، حيث قال(٧) :
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجماً عن نفسه بنفسه :﴿الحمد لله رب العالمين﴾، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه : أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرَضين، بل أنا المتوحِّدُ في وجودي، والمتجلِّي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، مَمْحُوَّةٌ بأحدية ذاتي.
قال رجل بين يدي الجنيد(٨) :﴿الحمد لله﴾ ولم يقل :﴿رب العالمين﴾، فقال له الجنيد : كَمِّلْهَا يا أخي، فقال الرجل : وأيّ قَدْر للعالمين حتى تُذكر معه ؟ ! فقال الجنيد : قُلها يا أخي ؛ فإن الحادث إذا قُرن بالقديم تلاشى الحادُ وبقي القديم.
يقول سبحانه : يا مَن هو مني قريب، تَدبر سِرِّي فإنه غريب، أنا المحبُ، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمان، وأنا الملك الديّان، أنا الرحمان بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بتوالي الإمداد. منِّي كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديَّان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى(٩) : لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غَطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عينُ ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله :﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الحَجّ: ٥٦]، وقوله :﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفِطار: ١٩] ؟ ! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ.
فعلى الأول : قيل : يا رحمانَ الدنيا ؛ لأنه يَعُمُّ المؤمنَ والكافر، ورحيمَ الآخرة ؛ لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل : يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ؛ لأن النعم الأخروية كلها جِسَام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.
وإنما قدّم ﴿الرحمان﴾ - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدُّم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعَلَم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغُ في الرحمة غايتَها، وذلك لا يصدُق على غيره تعالى. انظر البيضاوي(٥). وسيأتي الكلام عليهما في المعنى.
ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصلَه بقوله :﴿الرحمان الرحيم﴾، أي : الرحمان بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مُكَوَّنَ منهما : نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولاً بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد ". كما في ( الحِكَم ) (٦). فاسمُه ﴿الرحمان﴾ يقتضي إيجادَ الأشياء وإبرازها، واسمه ﴿الرحيم﴾ يقتضي تربيتَها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم ﴿الرحمان﴾ على أحد، ولم يَتَسَمَّ أحد به(٧) ؛ إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه ﴿الرحيم﴾ فيجوز إطلاقه على غيره تعالى ؛ لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازاً وعاريةً(٨).
أو : الرحمان في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة : لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمان بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل : نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائقُ النعم مثل : الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المُنْعَم عليهم.
| ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ | إذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ |
| توحيدُ مَنْ ينطقُ عن نَعْتِهِ | عاريةُ أَبْطَلَهَا الواحِدُ |
| توحيدُه إياه توحيدُه | ونعتُ من يَنْعَتُه لاَحِدُ |
قال رجل بين يدي الجنيد(٨) :﴿الحمد لله﴾ ولم يقل :﴿رب العالمين﴾، فقال له الجنيد : كَمِّلْهَا يا أخي، فقال الرجل : وأيّ قَدْر للعالمين حتى تُذكر معه ؟ ! فقال الجنيد : قُلها يا أخي ؛ فإن الحادث إذا قُرن بالقديم تلاشى الحادُ وبقي القديم.
يقول سبحانه : يا مَن هو مني قريب، تَدبر سِرِّي فإنه غريب، أنا المحبُ، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمان، وأنا الملك الديّان، أنا الرحمان بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بتوالي الإمداد. منِّي كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديَّان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى(٩) : لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غَطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عينُ ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله :﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الحَجّ: ٥٦]، وقوله :﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفِطار: ١٩] ؟ ! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ.
١ انظر لسان العرب (مادة رحم)..
٢ الرحم والرحم: بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن: والرحم أيضا: أسباب القرابة، وأصلها الرحم التي هي منبت الولد (اللسان: مادة رحم)..
٣ قال أبو حيان: "وصف الله تعالى بالرحمة مجاز عن إنعامه على عباده، ألا ترى أن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم إحسانه؟ فتكون الرحمة إذ ذاك صفة فعل (البحر المحيط: ١/١٢٩)..
٤ هذا عند قوم أن "الرحمان" أبلغ من "الرحيم"؛ لكن قال آخرون: إنهما بمعنى واحد، كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجمع بينهما للتأكيد، كقولهم: فلان جاد مجد. انظر الوسيط للواحدي (١/٦٥). ونقل أبو حيان في البحر المحيط (١/١٢٨) أن قوما قالوا إن "الرحيم" أكثر مبالغة من الرحمان"..
٥ تفسير البيضاوي (١/٧). والنص المنقول من تفسير البيضاوي هو من قوله: "والرحمان الرحيم اسمان بنيا للمبالغة..." إلى قوله: "وذلك لا يصدق على غيره تعالى"؛ وزاد البيضاوي: "... لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة الجنسية أو حب المال عن القلب"..
٦ هو كتاب: الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة" لأحمد بن محمد بن عبد الكريم، المعروف بابن عطاء الإسكندراني، تاج الدين الشاذلي الصوفي، توفي بمصر ٧٩ هـ. (كشف الظنون ٥/١٠٣)..
٧ باستثناء ما روي عن مسيلمة الكذاب أنه كان يطلق عليه "رحمان اليمامة"..
٨ عارية: أي استعارة..
٢ الرحم والرحم: بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن: والرحم أيضا: أسباب القرابة، وأصلها الرحم التي هي منبت الولد (اللسان: مادة رحم)..
٣ قال أبو حيان: "وصف الله تعالى بالرحمة مجاز عن إنعامه على عباده، ألا ترى أن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم إحسانه؟ فتكون الرحمة إذ ذاك صفة فعل (البحر المحيط: ١/١٢٩)..
٤ هذا عند قوم أن "الرحمان" أبلغ من "الرحيم"؛ لكن قال آخرون: إنهما بمعنى واحد، كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجمع بينهما للتأكيد، كقولهم: فلان جاد مجد. انظر الوسيط للواحدي (١/٦٥). ونقل أبو حيان في البحر المحيط (١/١٢٨) أن قوما قالوا إن "الرحيم" أكثر مبالغة من الرحمان"..
٥ تفسير البيضاوي (١/٧). والنص المنقول من تفسير البيضاوي هو من قوله: "والرحمان الرحيم اسمان بنيا للمبالغة..." إلى قوله: "وذلك لا يصدق على غيره تعالى"؛ وزاد البيضاوي: "... لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة الجنسية أو حب المال عن القلب"..
٦ هو كتاب: الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة" لأحمد بن محمد بن عبد الكريم، المعروف بابن عطاء الإسكندراني، تاج الدين الشاذلي الصوفي، توفي بمصر ٧٩ هـ. (كشف الظنون ٥/١٠٣)..
٧ باستثناء ما روي عن مسيلمة الكذاب أنه كان يطلق عليه "رحمان اليمامة"..
٨ عارية: أي استعارة..