جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : إِيّاكَ نَعْبُدُ : لك اللهم نخشع، ونذلّ، ونستكين، إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، قال : حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال : قال جبريل لمحمد ﷺ : قل يا محمد : إياك نعبد، إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربّنا لا غيرك.
وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا، وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع، ونذل، ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونخاف، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلّة، وأنها تسمي الطريقَ المُذَلّل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة : مُعَبّدا. ومن ذلك قول طَرَفة بن العبد :
| تُبارِي عِتَاقا ناجياتٍ وأتْبَعَتْ | وَظِيفا وَظِيفا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبّدِ |
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ.
قال أبو جعفر : ومعنى قوله :( وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) وإيّاك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها لا أحد سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره معبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة. كالذي :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثني بشر بن عمارة، قال : حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس : وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ قال : إياك : نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها.
فإن قال قائل : وما معنى أمر الله عباده بأن يسألوه المعونة على طاعته ؟ أوَ جائز وقد أمرهم بطاعته أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه : إياك نستعين على طاعتك، إلا وهو على قوله ذلك معان، وذلك هو الطاعة، فما وجه مسألة العبد ربه ما قد أعطاه إياه ؟ قيل : إن تأويل ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه وإنما الداعي ربه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عمره على ما كلفه من طاعته، دون ما قد تَقَضّى ومضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره. وجازت مسألة العبد ربّه ذلك لأن إعطاء الله عبده ذلك مع تمكينه جوارحه لأداء ما كلفه من طاعته وافترض عليه من فرائضه، فضل منه جل ثناؤه تفضّل به عليه، ولطف منه لطف له فيه، وليس في تركه التفضل على بعض عبيده بالتوفيق مع اشتغال عبده بمعصيته وانصرافه عن محبته، ولا في بسطه فضله على بعضهم مع إجهاد العبد نفسه في محبته ومسارعته إلى طاعته، فساد في تدبير ولا جور في حكم، فيجوز أن يجهل جاهل موضع حكم الله، وأمره عبده بمسألته عونه على طاعته. وفي أمر الله جل ثناؤه عباده أن يقولوا :( إيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) بمعنى مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدر، الذين أحلوا أن يأمر الله أحدا من عبيده بأمر أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه.
ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته، إذ كان على قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكليف حقا واجبا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا، لكن القائل :( إِيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ) إنما يسأل ربه أن لا يجور. وفي إجماع أهل الإسلام جميعا على تصويب قول القائل : اللهم إنا نستعينك وتخطئتهم قول القائل : اللهم لا تجر علينا، دليل واضح على خطأ ما قال الذين وصفت قولهم، إذْ كان تأويل قول القائل عندهم : اللهم إنا نستعينك، اللهم لا تترك معونتنا التي تَرْكُهَا جور منك.
فإن قال قائل : وكيف قيل :( إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ) فقدم الخبر عن العبادة، وأخرت مسألة المعونة عليها بعدها ؟ وإنما تكون العبادة بالمعونة، فمسألة المعونة كانت أحق بالتقديم قبل المعان عليه من العمل والعبادة بها. قيل : لما كان معلوما أن العبادة لا سبيل للعبد إليها إلا بمعونة من الله جل ثناؤه، وكان محالاً أن يكون العبد عابدا إلا وهو على العبادة معانٌ، وأن يكون معانا عليها إلا وهو لها فاعل كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه، كما سواء قولك للرجل إذا قضى حاجتك فأحسن إليك في قضائها : قضيت حاجتي فأحسنت إليّ، فقدمت ذكر قضائه حاجتك. أو قلت : أحسنت إليّ فقضيت حاجتي، فقدمت ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة لأنه لا يكون قاضيا حاجتك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنا إليك إلا وهو لحاجتك قاض. فكذلك سواء قول القائل : اللهم إنا إياك نعبد فأعنّا على عبادتك، وقوله : اللهم أعنا على عبادتك فإنا إياك نعبد.
قال أبو جعفر : وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدّم الذي معناه التأخير، كما قال امرؤ القيس :
| ولَوْ أَنّ ما أسْعَى لأدنَى مَعِيشَةٍ | كَفانِي ولَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المَالِ |
| وجاعلُ الشّمْس مِصْرا لا خَفَاءَ به | بينَ النّهارِ وبينَ اللّيْل قَدْ فَصَلاَ |
| بينَ الأشَجّ وبينَ قَيْسٍ باذِخٌ | بَخْ بَخْ لوَالدِه وللمَوْلُودِ |