تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٦ : وقوله تعالى :( اهدنا الصراط المستقيم ) قال ابن عباس رضي الله عنه : ل( [ ( اهدنا ) ](١) أرشدنا، والإرشاد والهداية واحد. بل الهداية في حق التوفيق أقرب إلى فهم الخلق من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم ).
ثم القول بالهداية يخرج على وجوه ثلاثة :
أحدها : البيان. ومعلوم أن البيان قد تقدم من الله عز وجل لا أحد يريد به ذلك لمعنى ما به البيان من كتاب وسنة. وإلى ذلك تذهب المعتزلة.
والثاني : التوفيق والعصمة عن زيغه. وذلك معنى قولهم : اللهم اهدنا في من هديت. وقوله تعالى :( اهدنا الصراط المستقيم ) ( صراط الذين أنعمت عليهم ) [ الفاتحة : ٥ و ٦ ] وصفهم إلى آخر السورة. ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو و( غير المغضوب عليهم ) في ذلك سواء. ثبت أنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه. والله أعلم.
والثالث : أن يكون على طلب خلق الهداية لنا ؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، وكل ما يفعله خلق ؛ كأنه قال : اخلق لنا هدايتنا، وهو الاهتداء منا(٢). وبالله التوفيق.
ثم تأويل طلب الهداية ممن قد هداه الله تعالى يتوجه وجهين :
أحدهما : طلب الثبات على ما هداه الله تعالى. وعلى هذا معنى زيادات(٣) الإيمان، وأنها بمعنى الثبات عليه. وذلك كرجلين ينظران إلى شيء، فيرفع أحدهما بصره عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر.
[ والثاني : أنه ](٤) في كل حال يخاف على المرء فقد الهدى، فيهديه مكانه ابتداء. فيكون له حكم [ الابتداء ؛ إذ ](٥) في كل وقت إيمان منه دفع به ضده. وعلى ذلك قوله تعالى :( يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ) [النساء: ١٣٦] ونحو ذلك من الآيات. وقد يحتمل أيضا / ٣-أ/ معنى الزيادة هذا النوع. وبالله التوفيق.
وأما ( الصراط ) فهو الطريق والسبيل في جميع التأويل، وهو قوله تعالى :( وأن هذا صراطي مستقيما ) [الأنعام: ١٥٣] وقوله تعالى :( قل هذه سبيلي ) [يوسف: ١٠٨]
ثم اختلفوا في ما يراد به ؛ فقال بعضهم : هو القرآن، وقال بعضهم : هو الإيمان والإسلام، وأيهما كان فهو القائم الذي لا عوج له، والقيم الذي لا اختلاف فيه ؛ من لزمه وصل إلى ما ذكر. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى :( المستقيم ) قيل : هو القائم بمعنى الثابت بالبراهين والأدلة، لا يزيله شيء، ولا ينقض حججه كيد الكائدين ولا حيل المريبين. وقيل :( المستقيم ) الذي يستقيم بمن تمسك به حتى ينجيه [ ويدخله الجنة ](٦).
[ وقيل :( المستقيم ) بمعنى يستقام به كقوله ](٧) ( والنهار مبصرا ) [يونس: ٦٧] أي يبصر به ؛ يدل عليه قوله :( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الآية(٨) فالمستقيم هو المتبع له. وبالله التوفيق.
ثم ذكر من ذكر من المنعم(٩) عليهم، ولله عز وجل على كل مؤمن نعم بالهداية. وما ذكر دليل على أن الصراط هو الدين لأنه أنعم به على جميع المؤمنين.
١ - من ط ع..
٢ - في ط ع: زيادة..
٣ - في ط ع: زيادة..
٤ - في النسخ الثلاث: ووجه آخر على أن..
٥ - من ط ع، في الأصل: الاهتداء، أن في ط م: الاهتداء اذ.
٦ - من ط م، في الأصل و ط ع: ويدخل الجنة..
٧ - في ط ع: (لكم الليل لتسكنوا فيه)..
٨ أدرجت تتمة هذه الآية في ط ع بدل: الآية..
٩ - من ط م، في الأصل و ط ع: النعم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى