الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ : العاملُ في " يومَ " : إمَّا اذْكُرْ، وإمَّا : ينفردُ اللهُ بالمُلْك يومَ تَشَقَّقُ، لدلالة قوله :﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] عليه.
وقرأ الكوفيون وأبو عمرو هنا وفي ق " تَشَقَّق " بالتخفيف. والباقون بالتشديدِ. وهما واضحتان. حَذَفَ الأَوَّلون تاءَ المضارعةِ، أو تاءَ التَّفَعُّلِ، على خلافٍ في ذلك. والباقون أَدْغموا تاء التَفَعُّل في الشين لِما بينهما من المقاربَةِ، وهما " كَتَظَاهَرون وتَظَّاهرون " حَذْفاً وإدغاماً. وقد مَضَى في البقرة.
قوله :﴿بِالْغَمَامِ﴾ في هذه الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها : على السببيَّة أي : بسببِ الغَمام، يعني بسببِ طُلوعِه منها. ونحو ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾
[المزمل: ١٨] كأنَّه الذي تَنْشَقُّ به السماءُ. الثاني : أنها للحالِ أي : ملتبسَةً بالغَمام. الثالث : أنها بمعنى : عَنْ، أي : عن الغمامِ كقوله :﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ﴾ [ق: ٤٤].
قوله :﴿وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ﴾ فيها اثنتا عشرة قراءة : ثِنْتان في المتواتِر، وعشرٌ في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة " ونُنْزِلُ " بنونِ مضمومةٍ ثم أُخْرى ساكنةٍ وزايٍ خفيفةٍ مكسورةٍ مضارعَ " أَنْزَلَ "، و " الملائكةَ بالنصبِ مفعولٌ به. وكان من حَقِّ المصدرِ أَنْ يجيءَ بعد هذه القراءةِ على إنْزال. قال أبو علي :" لَمَّا كان أَنْزَل ونَزَّل يَجْريان مَجْرىً واحِداً، أَجْرى مصدرَ أحدِهما على مصدرِ الآخر : وأنشدَ :
وقد تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الحِضْبِ ***
لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَوَيْتُ بمعنىً ". قلت : ومثلُه ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] أي : تَبَتُّلاً. وقرأ الباقون من السبعةِ " ونُزِّل " بضمِّ النون وكسرِ الزاي المشدَّدةِ وفتحِ اللامِ، ماضياً مبنياً للمفعول. " الملائكةُ " بالرفعِ لقيامه مقامَ الفاعلِ. وهي موافقةٌ لمصدرِها.
وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء " ونَزَّلَ " بالتشديد ماضياً مبنياً للفاعلِ، وهو الله تعالى، " الملائكةَ " مفعولٌ به. وعنه أيضاً " وأَنْزَل " مبنياً للفاعلِ عَدَّاه بالتضعيفِ مرةً، وبالهمزة أخرى. والاعتذارُ عن مجيء مصدرِه على التفعيلِ كالاعتذارِ عن ابنِ كثير. وعنه أيضاً " وأُنْزِل " مبنياً للمفعولِ.
وقرأ هارون عن أبي عمرٍو " وتُنَزَّلُ الملائكةُ " بالتاء من فوق وتشديدِ الزايِ ورفعِ اللام مضارعاً مبنياً للفاعل، " الملائكةُ " بالرفعِ، مضارعَ نَزَّل بالتشديد، وعلى هذه القراءةِ فالمفعولُ محذوفٌ أي : وتُنَزِّل الملائكةُ ما أُمِرَتْ أَنْ تُنَزِّلَه.
وقرأ الخَفَّاف عنه، وجناح بن حبيش " ونَزَل " مخففاً مبنياً للفاعلِ " الملائكةُ " بالرفع. وخارجة عن أبي عمرٍو أيضاً وأبو معاذ " ونُزِّلُ " بضم النون وتشديدِ الزاي ونصب " الملائكةَ ". والأصل : ونُنَزِّلُ بنونين حُذِفَتْ إحداهما.
وقرأ أبو عمرٍو وابنُ كثير في روايةٍ عنهما بهذا الأصلِ " ونُنَزِّل " بنونين وتشديدِ الزايِ. وقرأ أُبَيُّ و " نُزِّلَتْ " بالتشديدِ مبنياً للمفعولِ. و " تَنَزَّلَتْ " بزيادةِ تاءٍ في أولهِ، وتاءِ التأنيث فيهما.
وقرأ أبو عمرٍو في طريقةِ الخَفَّاف عنه " ونُزِلَ " بضمِّ النون وكسرِ الزايِ خفيفةَ مبنياً للمفعول، قال صاحب اللوامح :" فإنْ صَحَّتِ القراءةُ فإنَّه حُذِفَ منها المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، تقديره : ونُزِل نزولُ الملائكةِ، فحُذِفَ النزولُ، ونُقِل إعرابُه إلى الملائكة. بمعنى : نُزِل نازلُ الملائكةِ ؛ لأنَّ المصدرَ يجيءُ بمعنى الاسمِ. وهذا ممَّا يجيءُّ على مذهب سيبويهِ/ في ترتيب بناءِ اللازمِ للمفعولِ به ؛ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على مصدره "، قلت : وهذا تَمَحُّلٌ كثيرٌ دَعَتْ إليه ضرورةُ الصناعةِ، وقال ابن جني :" وهذا غيرُ معروفٍ ؛ لأنَّ نَزَلَ لا يَتَعَدَّى إلى مفعولٍ فيُبْنى هنا للملائكة. ووجهُه : أَْنْ يكونَ مثل : زُكِم الرجلُ وجُنَّ، فإنه لا يُقال : إلاَّ : أَزْكمه وأَجَنَّه الله، وهذا بابُ سماعٍ لا قياسٍ ". قلت : ونظيرُ هذه القراءة ما تقدَّم في سورة الكهفِ في قراءةِ مَنْ قرأ ﴿فَلاَ يقوم له يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [ الآية : ١٠٥ ] بنصب " وَزْناً " من حيث تَعْدِيَةُ القاصرِ، وتَقَدَّم ما فيها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى