اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :«وَيَوْمَ تَشَقَّقُ » العامل(١) في «يَوْمَ » إمّا ( اذكر )، وإمّا ينفرد(٢) الله بالمُلْكِ يَوْمَ تشقق(٣)، لدلالة قوله :﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾ عليه. وقرأ الكوفيون(٤) وأبو عمرو [ هنا وفي ( ق )(٥) «تَشَقَّقُ » بالتخفيف، والباقون بالتشديد(٦)، وهما واضحتان، حذف الأولون ](٧) تاء(٨) المضارعة أو تاء التفعل على خلاف في ذلك(٩)، والباقون أدغموا تاء التفعل في الشين لما بينهما من المقاربة، وهما ك «تَظَاهَرُونَ » و «تَظَّاهَرُونَ » حذفاً وإدغاماً، وقد مضى في البقرة(١٠). قوله(١١) :«بِالغَمَامِ » في هذه الباء(١٢) ثلاثة أوجه :
أحدها : على السببية، أي : بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعها منها(١٣)، ونحوه ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] كأنه الذي يتشقق به السماء(١٤).
الثاني : أنها للحال، أي : مُلتَبِسَةً بالغمام(١٥).
الثالث : أنها بمعنى ( عَنْ )، أي : عن الغَمَام(١٦) كقوله :﴿" يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ(١٧)(١٨) [ق: ٤٤]، [ والباء وعن يتعاقبان(١٩)، تقول : رميت عن القوس وبالقوس ](٢٠).
قوله :«وَنُزِّلَ المَلاَئِكَةُ » فيها اثنتا عشرة قراءة ثنتان في المتواتر، وعشر(٢١) في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة «وَنُنْزِلُ » بنون مضمومة ثم أخرى ساكنة وزاي خفيفة مكسورة مضارع ( أَنْزَلَ )، و «المَلاَئِكَةَ » بالنصب(٢٢) مفعول به، وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه القراءة على ( إِنْزَال ). قال أبو علي : لما كان ( أَنْزَلَ ) و ( نَزَّلَ ) يجريان مجرى واحداً أجزأ(٢٣) مصدر أحدهما عن مصدر الآخر، وأنشد :
وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الحِضْبِ(٢٤) ***. . .
لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَويْتُ بمعنى(٢٥)، ومثله :﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] [ أي : تَبَتُّلاً(٢٦) ](٢٧) وقرأ الباقون من السبعة «وَنُزِّلَ » بضم النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضياً مبنيًّا للمفعول، «المَلاَئِكَةُ » بالرفع(٢٨) لقيامه مقام الفاعل، وهي موافقةٌ لمصدرها.
وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء «وَنَزَّلَ » بالتشديد ماضياً مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، «المَلاَئِكَةَ » مفعول به. وعنه - أيضاً - «وَأَنْزَلَ » مبنيًّا للفاعل عداه بالتضعيف مرة، و(٢٩) بالهمزة أخرى، والاعتذار عن مجيء مصدره على التفعيل كالاعتذار عن ابن كثير(٣٠). وعنه - أيضاً - «وَأُنْزِلَ » مبنيًّا للمفعول(٣١).
وقرأ هارون عن أبي عمرو «وَتُنَزِّلُ المَلاَئِكَةُ » بالتاء من فوق وتشديد الزاي ورفع اللام مضارعاً مبنيًّا للفاعل، «المَلاَئِكَةُ » بالرفعِ(٣٢) مضارع «نَزَّلَ » بالتشديد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف، أي : وتُنَزِّلُ المَلاَئِكَةُ ما أُمِرَتْ أن تُنَزِّله.
وقرأ الخفَّاف عنه(٣٣) (٣٤)، وجناح بن حبيش «وَنَزَلَ » مخففاً مبنيًّا للفاعل، «المَلاَئِكَةُ » بالرفع(٣٥). وخارجة عن أبي عمرو - أيضاً - وأبو معاذ «ونُزِّلَ » بضم النون وتشديد الزاي، ونصب «المَلاَئِكَةَ »(٣٦)، والأصل : ونُنْزِلُ بنونين حذفت ( إحداهما(٣٧) )(٣٨) وقرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية عنهما بهذا الأصل «ونُنَزِّلَ »(٣٩) بنونين وتشديد الزاي(٤٠). وقرأ أُبيّ «وَنُزِّلَتْ » بالتشديد مبنيًّا للمفعول(٤١)، «وَتُنُزِّلَتْ » بزيادة تاء في أوله، وتاء التأنيث
( فيهما(٤٢) )(٤٣).
وقرأ(٤٤) أبو عمرو في طريقة الخفاف عنه «وَنُزِلَ » بضم النون وكسر الزاي خفيفة مبنيًّا للمفعول(٤٥). قال صاحب اللوامح : فإن صحت هذه القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره : ونُزِلَ نُزُول الملائكة، فحذف النزول ونقل إعرابه إلى «المَلاَئِكَة » بمعنى : نَزَلَ نَازِلُ الملائكة، لأنَّ المصدر يجيء بمعنى الاسم، وهذا مما(٤٦) يجيء على مذهب سيبويه(٤٧) ترتيب بناء اللازم للمفعول به، لأنَّ الفعل يدل على مصدره(٤٨). قال شهاب الدين : وهذا تمحُّلٌ كثير دعت إليه ضرورة الصناعة(٤٩). وقال(٥٠) ابن جني : وهذا غير معروف، لأنَّ ( نَزَلَ ) لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا للملائكة(٥١)، ووجهه أن يكون مثل زُكِم الرَّجُلُ وجُنَّ، فإنه لا يقال إلا أزكمه، وأجنّه الله، وهذا باب سماع لا قياس(٥٢). ونظير هذه القراءة ما تقدم في سورة الكهف في قراءة من قرأ ﴿فَلاَ يَقُومُ لَهُمْ(٥٣) يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً﴾(٥٤) بنصب وزن من حيث تعدية القاصر، وتقدم ما فيها.

فصل


الغَمَامُ : هو الأبيض الرقيق مثل الضباب، ولم يكن إلاَّ لبني إسرائيل في تيههم(٥٥). والألف واللام في «الغمام » ليس للعموم بل للمعهود، وهو ما ذكره في قوله :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾(٥٦) [البقرة: ٢١٠] قال ابن عباس : تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها(٥٧)، وهم أكثر ممن في الأرض من(٥٨) الجن والإنس، [ ثم تشقق السماء ثانية، فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس ] (٥٩) ثم كذلك حتى تشقق(٦٠) السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون(٦١)، ثم حملة العرش(٦٢).
فإن قيل : ثبت بالقياس أن نسبة الأرض إلى سماء(٦٣) الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى(٦٤) الكرسي والعرش، فملائكة هذه المواضع ( بأسرها، فكيف تتسع الأرض لكل هؤلاء ؟
فالجواب : قال بعض المفسرين : الملائكة يكونون في الغمام، والغمام يكون )(٦٥) مقرّ الملائكة(٦٦).
١ في ب: القائل. وهو تحريف..
٢ في ب: نوم ينفرد. وهو تحريف..
٣ انظر التبيان ٢/٩٨٤..
٤ وهم: عاصم، وحمزة، والكسائي. السبعة (٤٦٤)..
٥ وهو قوله تعالى: ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعا﴾ [ق: ٤٤]..
٦ السبعة (٤٦٤)، (٦٠٧ – ٦٠٨)، الحجة لابن خالويه (٢٦٥)، الكشف ٢/١٤٥، النشر ٢/٣٣٤، الأتحاف (٣٢٨)..
٧ ق: ٤٤..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ في ب: بتاء..
١٠ انظر شرح التصريح ٢/٤٠١، الهمع ٢/٢٢٧، شرح الأشموني ٤/٣٥١..
١١ عند قوله تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾ [البقرة: ٨٥]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "تظاهرون" مشددة الظاء بألف، وعاصم وحمزة والكسائي وعلي بن نصر عن أبي عمرو "تظاهرون" بالتخفيف. السبعة (١٦٣) وانظر اللباب ١/٢٠١..
١٢ قوله: سقط من ب..
١٣ في ب: التأويلات. وهو تحريف..
١٤ في ب: فيها..
١٥ انظر الكشاف ٣/٩٥..
١٦ البيان ٢/٢٠٣..
١٧ انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢٦٧..
١٨ ما بين القوسين في ب: عنهم سراعا..
١٩ ذهب بعض الكوفيين إلى أن تعاقبهما خاص بالسؤال نحو قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]، بدليل قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ [الحديد: ١٢] ويرى البصريون أن الباء لا تكون بمعنى (عن) وتأولوا الآية الأولى على أنها للسببية. وقال ابن هشام ردا على رأي البصريين: وفيه بعد، لأنه لا يقتضي قولك: سألت بسببه، أن المجرور هو المسؤول عنه. المغني ١/١٠٤، الهمع ٢/٢٢..
٢٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٢١ في النسختين: وتسع..
٢٢ السبعة (٤٦٤)، الكشف ٢/١٤٥- ١٤٦، النشر ٢/٣٣٤، الإتحاف (٣٢٨)..
٢٣ في ب: خوأ. وهو تحريف..
٢٤ رجز قاله رؤية، وهو في ديوانه (١٦)، الكتاب ٤/٨٢، المخصص ٨/١١٠، ١٠/١٨٢، ١٤/١٨٧، أمالي ابن الشجري ٢/١٤١ ابن يعيش ١/١١٢، المقرب (٤٩١) اللسان (حضب) الهمع ١/١٨٧، الحضب: بالكسر: الذكر الضخم من الحيات، أو حية دقيقة. والشاهد فيه أن يكون الانطواء مصدر التطوي، لأن المعنى واحد. قال سيبويه: (لأن معنى تطويت وانطويت واحد) الكتاب ٤/٨٢..
٢٥ قال ابن يعيش: (كل مصدرين يرجعان إلى معنى واحد، فهذه المصادر أكثر النحويين يعمل فيها الفعل المذكور لاتفاقهما في المعنى، وهو رأي أبي العباس المبرد، والسيرافي، وبعضهم يضمر لها فعلا من لفظها فيقول: التقدير: اجتوروا فتجاوروا تجاورا، وتجاوروا فاجتوروا اجتوارا، وكذلك قوله تعالى: ﴿أنبتكم من الأرض نباتا﴾ [نوح: ١٧] أي: أنبتكم فنبتم نباتا، فتكون هذه المصادر منصوبة بفعل محذوف دل عليه الظاهر، وهو مذهب سيبويه) ابن يعيش ١/١١٢، وانظر المقرب (٤٩١)..
٢٦ الحجة: لأبي علي ٦/١٨..
٢٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٨ السبعة (٤٦٤)، الكشف ٢/١٤٦، النشر ٢/٣٣٤، الإتحاف (٣٢٨)..
٢٩ و: سقط من ب..
٣٠ انظر المختصر (١٠٤)..
٣١ قال أبو حيان: (وقرأ الأعمش وعبد الله في نقل ابن عطية "وأنزل" ماضيا رباعيا مبنيا للمفعول مضارعه ينزل) البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٣٢ قال أبو حيان: (وهارون عن أبي عمرو "وتنزل" بالتاء من فوق مضارع نزل مشددا مبنيا للفاعل) البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٣٣ هو إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المكي الخفاف، قرأ على أحمد البزي، قرأ عليه أبو بكر محمد بن عيسى الجصاص. طبقات القراء ١/٢٦..
٣٤ عنه: سقط من ب، أي: عن أبي عمرو..
٣٥ انظر المختصر (١٠٤) البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٣٦ انظر المختصر (١٠٤)، المحتسب ٢/١٢٠، البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٣٧ قال ابن جني: (إلا أنه حذف النون الثانية التي هي فاء فعل نزل، لالتقاء الساكنين استخفافا) المحتسب ٢/١٢٠..
٣٨ ما بين القوسين في الأصل: إحديهما..
٣٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٠ قال ابن خالويه: ("وننزل الملائكة" هارون عن أبي عمرو) المختصر (١٠٤)..
٤١ المختصر (١٠٤)، البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٤٢ البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٤٣ ما بين القوسين في ب: فيها..
٤٤ وقرأ: سقط من ب..
٤٥ حكاها أبو حيان عن صاحب اللوامح، البحر المحيط ٦/٤٩٤، وفي المحتسب قال ابن جني: (وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو "ونزل الملائكة" خفيفة) ٢/١٢١..
٤٦ في ب: ما..
٤٧ قال سيبويه: (هذا باب ما يكون من المصادر مفعولا فيرتفع كما ينتصب إذا شغلت الفعل به وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره. قال: وإن شئت قلت سير عليه السير، كما قلت: سير شديد. وإن وصفته كان أقوى وأبين، كما كان ذلك في قوله: سير عليه ليل طويل ونهار طويل) الكتاب ١/٢٣٢..
٤٨ انظر البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٤٩ الدر المصون ٥/١٣٦..
٥٠ في ب: قال..
٥١ في ب: الملائكة..
٥٢ انظر المحتسب ٢/١٢١..
٥٣ في النسختين: له. وهو تحريف..
٥٤ [الكهف: ١٠٥]..
٥٥ انظر القرطبي ١٣/٢٣ -٢٤. البحر المحيط ٦/٤٩٤..
٥٦ [البقرة: ٢١٠]. وانظر الفخر الرازي ٢٤/٧٤..
٥٧ كذا في ب، وفي الأصل: غير أهلها..
٥٨ في الأصل: ممن في السماء الدنيا ومن..
٥٩ ما بين القوسين تكملة من البغوي..
٦٠ في الأصل: تشق..
٦١ الكروبيون: سادة الملائكة، منهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، هم المقربون الكرب القرب. اللسان (كرب)..
٦٢ انظر البغوي ٦/١٧١..
٦٣ في ب: السماء..
٦٤ إلى: سقط من ب..
٦٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى