غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً :﴿أم تحسب﴾ وهي منقطعة ومعناه " بل " أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف. وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما. وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ [الأعراف: ١٧٩] قال جار الله : جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت : ويحسن أيضاً أن يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر. ومنهم من قال : إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ويوم تشقق السماء﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿الملك﴾ الحقيقي ﴿يومئذ﴾ ﴿للرحمن﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به :﴿وكان يوماً على الكافرين عسيراً﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين :﴿ويوم يعض الظالم﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿على يديه﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله تعالى. وعن مالك بن دينار : إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار. ﴿لنثبت به فؤادك﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي ﷺ في سر ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿الرحمن علم القرآن﴾ [الرحمن: ١] فلما أزهر كان زهره ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠] فلما أثمر كانت ثمرته
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] ﴿يحشرون على وجوههم﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿الم تر إلى ربك﴾ فيه أن نبينا ﷺ رآه وقد قال لموسى ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وذلك البقاء أنانيته ﴿كيف مدّ الظل﴾ عالم الأجسام ﴿ولو شاء لجعله ساكناً﴾ في كتم العدم ﴿ثم جعلنا﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام. وفي قوله :﴿ثم قبضناه إلينا﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير. وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه. وفي قوله ﴿ثم جعلنا﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله :﴿أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] وهذه مرتبة الصديقين. وقوله ﴿ثم قبضناه﴾ كقوله ﴿كل شيء هالك﴾ [القصص: ٨٨] ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من أفق العناية عند صباح الهداية :﴿ولو شاء لجعله﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان. وفي قوله :﴿ثم قبضناه﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف. ثم بين حكمة الإظلال بقوله :﴿وهو الذي جعل لكم﴾ ليلة البشرية ﴿لباساً﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿وهو الذي أرسل﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿وأنزلنا﴾ من سماء الكرم ﴿ماء﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿لنحيي به بلدة﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ونسقيه﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال ﷺ " لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة " ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات. ﴿ولقد صرفنا﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ليذكروا﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿فأبى أكثر﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿إلا كفوراً﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى