إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين﴾ أي خلاَّهما متجاورينِ مُتلاصقين بحيثُ لا يتمازجانِ، من مَرَجَ دابَّته إذا خلاَّها ﴿هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ قامعٌ للعطشِ لغايةِ عذوبتِه ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ بليغُ المُلوحةِ. وقرئ مَلْحٌ فلعلَّه تخفيفُ مالحٍ كبَرْدٍ في باردٍ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾ حاجزاً غيرَ مرئيَ من قُدرتِه كما في قولِه تعالى :﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [ سورة الرعد، الآية٢. وسورة لقمان، الآية١٠ ] ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ وتنافراً مُفرِطاً كأنَّ كلاًّ منهما يتعوَّذُ من الآخرِ بتلك المقالِة وقيل : حَدَّاً محدُوداً وذلك كدجلةَ تدخلُ البحرَ وتشقُّه وتجري في خلالِه فراسخَ لا يتغيَّرُ طعمُها، وقيل : المرادُ بالبحرِ العذبِ النَّهرُ العظيمُ وبالمالحِ البحرُ الكبيرُ وبالبرزخ ما بينهما من الأرضِ فيكون أثرُ القُدرة في الفصلِ واختلافِ الصِّفةِ، مع أنَّ مُقتضى طبيعةِ كلِّ عُنصرٍ التَّضامُّ والتَّلاصقُ والتَّشابهُ في الكيفيَّةِ.