جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿تَبَارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مّنِيراً﴾.


يقول تعالى ذكره : تقدّس الربّ الذي جعل في السماء بروجا ويعني بالبروج : القصور، في قول بعضهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن العلاء ومحمد بن المثنى وسلم بن جنادة، قالوا : حدثنا عبد الله بن إدريس، قال : سمعت أبي، عن عطية بن سعد، في قوله تَبارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّماءِ بُرُوجا قال : قصورا في السماء، فيها الحرس.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : ثني أبو معاوية، قال : ثني إسماعيل، عن يحيى بن رافع، في قوله تَبارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّماءِ بُرُوجا قال : قصورا في السماء.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم جَعَلَ فِي السّماء بُرُوجا قال : قصورا في السماء.
حدثني إسماعيل بن سيف، قال : ثني عليّ بن مسهرٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله تَبارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّماء بُرُوجا قال : قصورا في السماء فيها الحرس.
وقال آخرون : هي النجوم الكبار. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن المثنى، قال : حدثنا يعلى بن عبيد، قال : حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح تَبارَكَ الّذي جَعَلَ فِي السّماءِ بُرُوجا قال : النجوم الكبار.
قال : ثنا الضحاك، عن مخلد، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : الكواكب.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله بُرُوجا قال : البروج : النجوم.
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : هي قصور في السماء، لأن ذلك في كلام العرب وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ وقول الأخطل :
كأنّهَا بُرْجُ رُوميّ يُشَيّدُهُبانٍ بِحِصّ وآجُرَ وأحْجارِ
يعني بالبرج : القصر.
قوله : وَجَعَلَ فيها سِرَاجا اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة : وَجَعَلَ فِيها سرَاجا على التوحيد، ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس، وهي السراج التي عني عندهم بقوله : وَجَعَلَ فِيها سراجا. كما :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله وَجَعَلَ فِيها سِرَاجا وَقَمَرا مُنِيرا قال : السراج : الشمس.
وقرأته عامة قرّاء الكوفيين :«وَجَعَلَ فِيها سُرُجا » على الجماع، كأنهم وجهوا تأويله : وجعل فيها نجوما وقَمَرا مُنِيرا وجعلوا النجوم سُرُجا إذ كان يُهتدى بها.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأَةِ الأمصار، لكل واحدة منهما وجه مفهوم، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله : وَقَمَرا مُنِيرا يعني بالمنير : المضيء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى