غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا. ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً. والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً أي مرجع، وقيل : هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولو شئنا لبعثنا﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية. ويروى أن موسى عليه السلام سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله تعالى : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فأصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال : يا رب إني لا أطيق ذلك. فقبض الله أرواحهم في ذلك اليوم. وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال. فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿وجاهدهم﴾ بهذا الخلاق ﴿جهاداً كبيراً﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿وهو الذي مرج﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿هذا عذب فرات﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿وهذا ملح أجاج﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية. والبرزخ هو القلب. وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها. وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿فجعله نسباً وصهراً﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [ص: ٧٢] وأهل الصهر هم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله :
﴿ويعبدون من دون الله﴾ [يونس: ١٨] الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿وما أرسلناك إلا مبشراً﴾ لأهل النسب ﴿ونذيراً﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي. ومن ههنا قال المشايخ : يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله. ﴿وتوكل﴾ أصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣] وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال. ﴿وسبح بحمده﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله " أنت أثنيت على نفسك " والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿وزادهم نفوراً﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا. ﴿تبارك الذي جعل﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر : التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء. وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن أراد أن يتعظ عند السر أو أراد شكوراً عند التجلي ﴿وعباد الرحمن﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتأذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿قالوا سلاما﴾ سلام مودّع ﴿والذين يبيتون لربهم﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون. وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ربنا اصرف عنا عذاب جهنم﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ولم يقتروا﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ولا يزنون﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿يضاعف له العذاب﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿إلا من تاب﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس. ﴿وآمن﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿وعمل عملاً صالحاً﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات. ﴿ومن تاب﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿وعمل صالحاً﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿فإنه يتوب﴾ يرجع ﴿إلى الله متاباً﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ارجعي﴾ [الفجر: ٢٨] وحينئذ لا يشهد الزور أي لا يساكن غير الحق. ﴿وإذا مرّوا باللغو﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه. وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح أي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة، ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود. ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿فقد كذبتم﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿فسوف يكون﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.
﴿ويعبدون من دون الله﴾ [يونس: ١٨] الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿وما أرسلناك إلا مبشراً﴾ لأهل النسب ﴿ونذيراً﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي. ومن ههنا قال المشايخ : يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله. ﴿وتوكل﴾ أصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣] وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال. ﴿وسبح بحمده﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله " أنت أثنيت على نفسك " والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿وزادهم نفوراً﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا. ﴿تبارك الذي جعل﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر : التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء. وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن أراد أن يتعظ عند السر أو أراد شكوراً عند التجلي ﴿وعباد الرحمن﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتأذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿قالوا سلاما﴾ سلام مودّع ﴿والذين يبيتون لربهم﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون. وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ربنا اصرف عنا عذاب جهنم﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ولم يقتروا﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ولا يزنون﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿يضاعف له العذاب﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿إلا من تاب﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس. ﴿وآمن﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿وعمل عملاً صالحاً﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات. ﴿ومن تاب﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿وعمل صالحاً﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿فإنه يتوب﴾ يرجع ﴿إلى الله متاباً﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ارجعي﴾ [الفجر: ٢٨] وحينئذ لا يشهد الزور أي لا يساكن غير الحق. ﴿وإذا مرّوا باللغو﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه. وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح أي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة، ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود. ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿فقد كذبتم﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿فسوف يكون﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.