أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي

عن الكتاب
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَاسَوَاءً وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْلَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا
إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍأَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْلَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالًا فَحَالَا
فَكَانَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا بِدِقَّةٍ وَتَأَمُلٍ، فِيمَا يُحِيطُ بِهِمْ عَامَّةً. وَفِي تِلْكَ الْآيَاتِ الْكِبَارِ خَاصَّةً، فَيَجِدُونَ فِيهَا مَا يَكْفِيهِمْ.
كَمَا قِيلَ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌتَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ
فَإِذَا لَمْ يَهْدِهِمْ تَفْكِيرُهُمْ، وَلَمْ تَتَّجِهْ أَنْظَارُهُمْ. فَذَكِّرْهُمْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. وَهَذَا عَامٌّ، أَيْ: سَوَاءٌ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ مِنْ تِلْكَ الْمَصْنُوعَاتِ، أَوْ بِالتِّلَاوَةِ مِنْ آيَاتِ الْوَحْيِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْإِيَابَ هُوَ الْمَرْجِعُ.
قَالَ عُبَيْدٌ:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُوَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَئُوبُ
كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [٥ ٤٨]، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي صَرِيحِ مَنْطُوقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ الْآيَةَ [٣ ٥٥]. وَقَوْلِهِ: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [٦ ١٦٤].
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [٨٨ ٢٦]، الْإِتْيَانُ بِثُمَّ ; لِلْإِشْعَارِ مَا بَيْنَ إِيَابِهِمْ وَبَدْءِ حِسَابِهِمْ: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٢٢ ٤٧].
وَقَوْلُهُ: إِنَّ عَلَيْنَا، بِتَقَدُّمِ حَرْفِ التَّأْكِيدِ، وَإِسْنَادِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبِحَرْفِ «عَلَى» مِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّهُ بِأَدَقِّ مَا يَكُونُ، وَعَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [٢ ٢٨٤].
وَمِنَ الْوَاضِحِ مَجِيءُ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ; تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَخْوِيفًا لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا وَأَعْرَضُوا، ثُمَّ إِنَّ الْحِسَابَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ لَيْسَ خَاصًّا بِهَؤُلَاءِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ بِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ. وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَةِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالسَّلَامَةَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى