اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾.
قد تقدم مثله في آخر الواقعة، إلا أنه قيل هاهنا : إن «لا » نافية لفعل القسم، وكأنه قيل : لا احتياجَ أن أقسمُ على هذا ؛ لأنه حقٌّ ظاهرٌ مستغنٍ عن القسم، ولو قيل به في الواقعة لكان حسناً.
واعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلالة على إمكان القيامةِ، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السُّعداءِ، وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآنِ، فقال :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقيل : المراد : أقسم، و «لا » صلةٌ، والمعنى أقسم بالأشياء كلها ما ترون منها وما لا ترون، فعمَّ جميع الأشياء على الشمول ؛ لأنها لا تخرجُ عن قسمين : مبْصر وغير مبصر، فقيل : الخالقُ والخلقُ، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنُّ، والنعم الظاهرة، والباطنة.
وإن لم تكن «لا » زائدة، فالتقدير : لا أقسم على أنَّ هذا القرآن قول رسولٍ كريم - يعني «جبريل »، قاله الحسن والكلبي ومقاتل - لأنه يستغنى عن القسم لوضوحه.
وقال مقاتل : سببُ نزولِ هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال : إنَّ محمداً ساحرٌ.
وقال أبو جهل : شاعر وليس القرآن من قول النبي ﷺ. وقال عقبة : كاهن، فقال الله تعالى :﴿فَلاَ أُقْسِمُ﴾ أي : أقسم(١).
وإن قيل :«لا » نافية للقسم، فجوابه كجواب القسم.
«إنه » يعني القرآن ﴿لقول رسول كريم﴾ يعني جبريل. قاله الحسن والكلبي ومقاتل، لقوله :﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ﴾[التكوير: ١٩، ٢٠].
وقال الكلبي أيضاً والقتبي : الرسول هنا محمد ﷺ لقوله :﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾، وليس القرآن من قول الرسول ﷺ إنما هو من قول الله - عز وجل - ونسب القول إلى الرسولِ، لأنه تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا : هذا قول مالك.
فإن قيل : كيف يكونُ كلاماً لله تعالى، ولجبريل، ولمحمد عليهما الصلاة والسلام ؟
فالجواب : أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسةٍ، فالله سبحانه أظهره في اللوح المحفوظ، وجبريلُ بلغه لمحمدٍ - عليهما الصلاة والسلام - ومحمد ﷺ بلغه للأمة.
١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٧٧-١٧٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى