الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ﴾ : معطوفٌ على الجوابِ فهو جواب. أَقْسَمَ على شيئين، أحدُهما مُثْبَتٌ، والآخرُ منفيٌّ وهو من البلاغةِ الرائعة.
قوله :﴿قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ انتصبَ " قليلاً " في الموضعَيْنِ نعتاً لمصدرٍ أو زمانٍ محذوفٍ أي : إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً. والناصب تُؤْمِنون وتَذَكَّرون، و " ما " مزيدةٌ/ للتوكيدِ. وقال ابنُ عطيةَ :" ونُصِبَ " قليلاً " بفعلٍ مضمرٍ، يَدُلُّ عليه " تُؤْمِنون ". وما يُحتمل أَنْ تكونَ نافيةً فيَنْتَفِيَ إيمانُهم البتةَ، ويُحتمل أَنْ تكونَ مصدريةً، ويتصفَ بالقلَّةِ، فهو الإِيمانُ اللغويُّ ؛ لأنَّهم قد صَدَّقوا بأشياءَ يسيرةٍ، لا تُغْني عنهم شيئاً ؛ إذ كانوا يُصَدِّقون بأنَّ الخيرَ والصِّلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو حقٌّ وصوابٌ ". قال الشيخ :" أمَّا قولُه :" قليلاً " نُصِبَ بفعلٍ إلى آخره فلا يَصِحُّ ؛ لأن ذلك الفعلَ الدالَّ عليه " تُؤْمنون " : إمَّا أن تكونَ " ما " نافيةً [ أو مصدريةً ] كما ذَهَب إليه. فإنْ كانَتْ نافيةً فذلك الفعلُ المضمرُ الدالُّ عليه " تُؤْمِنون " المنفيُّ ب " ما " يكونُ منفيّاً، فيكون التقدير : ما تُؤْمِنون قليلاً ما تؤمنون، والفعلُ المنفيُّ ب " ما " لا يجوزُ حَذْفُه ولا حَذْفُ " ما "، لا يجوز :" زيداً ما أَضْرِبُه " على تقدير : ما أضربُ زيداً ما أَضْرِبُه. وإنْ كانَتْ مصدريةً كانَتْ : إمَّا في موضع رفعٍ ب " قليلاً " على الفاعلية، أي : قليلاً إيمانُكم، ويبقى " قليلاً " لا يتقدَّمه مَا يَعْتمد عليه حتى يعملَ، ولا ناصبَ له، وإمَّا في موضعِ رفعٍ على الابتداءِ فيكونُ مبتدأً لا خبرَ له، لأنَّ ما قبلَه منصوبٌ ".
قلت : لا يريدُ ابنُ عطيةَ بدلالةِ " تُؤْمنون " على الفعلِ المحذوفِ الدلالةَ المذكورةَ في بابِ الاشتغالِ، حتى يكونَ العاملُ الظاهر مفسِّراً للعاملِ المضمرِ، بل يريدُ مجرَّدَ الدلالةِ اللفظيةِ، فليس ما أوردَه الشيخُ عليه مِنْ تمثيلِه بقولِه :" زيداً ما أَضْرِبُه " أي : ما أضربُ زيداً ما أضربه بواردٍ.
وأمَّا الردُّ الثاني فظاهرٌ. وقد تقدَّم لابنِ عطيةَ هذا القولُ في أول سورةِ الأعراف وتكلَّمْتُ معه ثَمَّة. وقال الزمشخريُّ :" والقلَّةُ في معنى العَدَمِ أي : لا تُؤْمنون ولا تَذَكَّرون البتة ". قال الشيخ :" ولا يُرادُ ب " قليلاً " هنا النفيُ المَحْض، كما زعم، وذلك لا يكونُ إلاَّ في " أقَلَّ " نحو :" أقَلُّ رجلٍ يقولُ ذلك إلاَّ زيدٌ " وفي " قَلَّ " نحو :" قَلَّ رجلٌ يقولُ ذلك إلاَّ زيدٌ " وقد يُستعمل في قليل وقليلة، أمَّا إذا كانا مرفوعَيْنِ، نحوُ ما جَوَّزوا في قولِه :
٤٣٢٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** قليلٌ بها الأصواتُ إلاَّ بُغامُها
أمَّا إذا كان منصوباً نحو :" قليلاً ضَرَبْتُ " أو " قليلاً ما ضَرَبْتُ " على أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً فإنَّ ذلك لا يجوزُ ؛ لأنَّه في " قليلاً ضربْتُ " منصوبٌ ب " ضربْتُ ". ولم تَستعمل العربُ " قليلاً " إذا انتصَبَ بالفعلِ نفياً، بل مقابلاً لكثير، وأمَّا في " قليلاً ما ضربْتُ " على أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً فتحتاج إلى رفع " قليل " لأنَّ " ما " المصدريةَ في موضعِ رفع على الابتداء " انتهى ما رَدَّ به، وهو مجردُ دَعْوى.
وقرأ ابن كثير وابن عامر بخلافٍ عن ابن ذكوان بالغَيْبة في " يؤمنون " و " يَذَّكَّرون " حَمْلاً على قولِه :" الخاطِئون "، والباقون بالخطاب حَمْلاً على " بما تُبْصِرون وما لا تُبْصرون ". وأُبَيٌّ " تتذكَّرون " بتاءين.
قوله :﴿قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ انتصبَ " قليلاً " في الموضعَيْنِ نعتاً لمصدرٍ أو زمانٍ محذوفٍ أي : إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً. والناصب تُؤْمِنون وتَذَكَّرون، و " ما " مزيدةٌ/ للتوكيدِ. وقال ابنُ عطيةَ :" ونُصِبَ " قليلاً " بفعلٍ مضمرٍ، يَدُلُّ عليه " تُؤْمِنون ". وما يُحتمل أَنْ تكونَ نافيةً فيَنْتَفِيَ إيمانُهم البتةَ، ويُحتمل أَنْ تكونَ مصدريةً، ويتصفَ بالقلَّةِ، فهو الإِيمانُ اللغويُّ ؛ لأنَّهم قد صَدَّقوا بأشياءَ يسيرةٍ، لا تُغْني عنهم شيئاً ؛ إذ كانوا يُصَدِّقون بأنَّ الخيرَ والصِّلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو حقٌّ وصوابٌ ". قال الشيخ :" أمَّا قولُه :" قليلاً " نُصِبَ بفعلٍ إلى آخره فلا يَصِحُّ ؛ لأن ذلك الفعلَ الدالَّ عليه " تُؤْمنون " : إمَّا أن تكونَ " ما " نافيةً [ أو مصدريةً ] كما ذَهَب إليه. فإنْ كانَتْ نافيةً فذلك الفعلُ المضمرُ الدالُّ عليه " تُؤْمِنون " المنفيُّ ب " ما " يكونُ منفيّاً، فيكون التقدير : ما تُؤْمِنون قليلاً ما تؤمنون، والفعلُ المنفيُّ ب " ما " لا يجوزُ حَذْفُه ولا حَذْفُ " ما "، لا يجوز :" زيداً ما أَضْرِبُه " على تقدير : ما أضربُ زيداً ما أَضْرِبُه. وإنْ كانَتْ مصدريةً كانَتْ : إمَّا في موضع رفعٍ ب " قليلاً " على الفاعلية، أي : قليلاً إيمانُكم، ويبقى " قليلاً " لا يتقدَّمه مَا يَعْتمد عليه حتى يعملَ، ولا ناصبَ له، وإمَّا في موضعِ رفعٍ على الابتداءِ فيكونُ مبتدأً لا خبرَ له، لأنَّ ما قبلَه منصوبٌ ".
قلت : لا يريدُ ابنُ عطيةَ بدلالةِ " تُؤْمنون " على الفعلِ المحذوفِ الدلالةَ المذكورةَ في بابِ الاشتغالِ، حتى يكونَ العاملُ الظاهر مفسِّراً للعاملِ المضمرِ، بل يريدُ مجرَّدَ الدلالةِ اللفظيةِ، فليس ما أوردَه الشيخُ عليه مِنْ تمثيلِه بقولِه :" زيداً ما أَضْرِبُه " أي : ما أضربُ زيداً ما أضربه بواردٍ.
وأمَّا الردُّ الثاني فظاهرٌ. وقد تقدَّم لابنِ عطيةَ هذا القولُ في أول سورةِ الأعراف وتكلَّمْتُ معه ثَمَّة. وقال الزمشخريُّ :" والقلَّةُ في معنى العَدَمِ أي : لا تُؤْمنون ولا تَذَكَّرون البتة ". قال الشيخ :" ولا يُرادُ ب " قليلاً " هنا النفيُ المَحْض، كما زعم، وذلك لا يكونُ إلاَّ في " أقَلَّ " نحو :" أقَلُّ رجلٍ يقولُ ذلك إلاَّ زيدٌ " وفي " قَلَّ " نحو :" قَلَّ رجلٌ يقولُ ذلك إلاَّ زيدٌ " وقد يُستعمل في قليل وقليلة، أمَّا إذا كانا مرفوعَيْنِ، نحوُ ما جَوَّزوا في قولِه :
٤٣٢٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** قليلٌ بها الأصواتُ إلاَّ بُغامُها
أمَّا إذا كان منصوباً نحو :" قليلاً ضَرَبْتُ " أو " قليلاً ما ضَرَبْتُ " على أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً فإنَّ ذلك لا يجوزُ ؛ لأنَّه في " قليلاً ضربْتُ " منصوبٌ ب " ضربْتُ ". ولم تَستعمل العربُ " قليلاً " إذا انتصَبَ بالفعلِ نفياً، بل مقابلاً لكثير، وأمَّا في " قليلاً ما ضربْتُ " على أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً فتحتاج إلى رفع " قليل " لأنَّ " ما " المصدريةَ في موضعِ رفع على الابتداء " انتهى ما رَدَّ به، وهو مجردُ دَعْوى.
وقرأ ابن كثير وابن عامر بخلافٍ عن ابن ذكوان بالغَيْبة في " يؤمنون " و " يَذَّكَّرون " حَمْلاً على قولِه :" الخاطِئون "، والباقون بالخطاب حَمْلاً على " بما تُبْصِرون وما لا تُبْصرون ". وأُبَيٌّ " تتذكَّرون " بتاءين.