الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
و﴿الصديقون﴾ : بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق ؛ على ما ذكر الزَّجَّاج.
وقوله تعالى :﴿والشهداء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ : اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة :﴿والشهداء﴾ : معطوف على :﴿الصديقون﴾ والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها : وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد ؛ قاله مجاهد، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي ﷺ قال :«مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ »، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآية وإنَّما خَصَّ ﷺ ذكر الشهداء السبعة تشريفاً لهم ؛ لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة ؛ أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها :﴿الشهداء﴾ هنا : من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال : هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك : الكلام تامٌّ في قوله :﴿الصديقون﴾، وقوله :﴿والشهداء﴾ : ابتداءٌ مستأنف، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها : معنى الآية : والشهداءُ بأنَّهم صديقون حاضرون عند ربهم، وعَنَى بالشهداء الأنبياء عليهم السلام.
( ت ) : وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها : قوله :﴿والشهداء﴾ ابتداء يريد به الشهداءَ في سبيل اللَّه، واستأنف الخبر عنهم بأَنَّهم :﴿عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ فكأَنَّه جعلهم صِنْفاً مذكوراً وحده.
( ت ) : وأبينُ هذه الأقوال الأوَّلُ، وهذا الأخيرُ، وإنْ صَحَّ حديث البَرَاءِ لم يُعْدَلْ عنه، قال أبو حيان : والظاهر أَنَّ ﴿الشهداء﴾ مبتدأ خبره ما بعده، انتهى.
وقوله تعالى ﴿وَنُورُهُمْ﴾ قال الجمهور : هو حقيقة حسبما تقدم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى