اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
قوله تعالى :﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾.
أي : مجّد الله ونزّهه عن السوء(١).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : صلى لله ما في السماوات من خلق من الملائكة والأرض من شيء فيه روح، أو لا روح(٢) فيه.
وقيل : هو تسبيح الدلالة.
وأنكر الزجَّاج هذا وقال : لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال :﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وإنما التسبيح مقال، واستدل بقوله تعالى :﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولو كان هذا التسبيح تسبيح دلالة، فأي تخصيص لداود(٣) ؟.
وقال القرطبي(٤) : هذا هو الصحيح.

فصل في الكلام على الفعل سبح(٥)


هذا الفعل عدي باللام تارة كهذه السورة، وأخرى بنفسه كقوله تعالى :﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى «سبحته » : بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مزيدة كهي في نصحت لزيد، ونصحته، وشكرته، وشكرت له ؛ إذ يقال : سبحت الله تعالى، قال :﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وإما أن تكون للتعليل، أي : أحدث التسبيح لأجل الله تعالى(٦).
وجاء في بعض الفواتح «سبَّح » بلفظ الماضي، وفي [ بعضها ] (٧) بلفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل(٨).
قوله :﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾.
«العزيز » : الغالب القادر الذي لا ينازعه شيء، وذلك إشارة إلى كمال القدرة.
«الحكيم » : الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب(٩).
١ ينظر: القرطبي ١٧/١٥٣..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٥٣)..
٣ ينظر: معاني القرآن له ٥/١٢١..
٤ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٥٣..
٥ ينظر: الرازي ٢٩/١٨٠..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٢..
٧ في أ: هذا..
٨ الفخر الرازي ٢٩/١٧٩، ١٨٠..
٩ السابق ٢٩/١٨١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى