تفسير المراغي — المراغي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم( ١ ) له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير( ٢ )هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم( ٣ )هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير( ٤ ) له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور( ٥ )يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور﴾( الحديد : ١-٦ ).تفسير المفردات : جاء في الكتاب الكريم سبح ويسبح وسبح، ويقال : سبحته وسبحت له كما يقال : نصحته ونصحت له، وتسبيح العقلاء أن يقولوا ما يدل على تنزيهه من كل نقص، وإبعاده عما لا يليق به من صفات المحدثات، كإثبات شريك له أو ند، وكون الملائكة بنات له، وكون عيسى ابنا له، وتسبيح غيرهم دلالة وجوده على عظم خالقه، وانقياده له في كل آن.
وما مثل هذا إلا مثل إشارتك لصاحبك على وضع خاص يفهم منها تأن واصبر، وإشارتك له على هيئة أخرى يفهم منها أنك لا تفعل هذا.
فهذه الدلالة في الحالين أفهمت صاحبك إفهاما كإفهام الكلام، بل أقوى وأبلغ أثرا، وكم للإنسان في حركاته من معان يفهمها الآخرون بطريق لا لبس فيها.
وإذا كان هذا حال الإنسان المحدود العلم والإدراك، فما بالك بما أطلعنا الله عليه من بدائع القدرة والعلم والحكمة، وقد فهمنا منها ما لا نفهم بالقول، فلو أنك وقفت في الخلوات، وراقبت المزارع والجنات، والأشجار مترنحات، وأنواع الكلأ متحركات، والأوراق تغني بموزون الأصوات، وقد أرخى الليل سدوله، وأرسل من الخافقين جحافل جنوده، تلمع من بينها الكواكب، فتضيء من بينها السباسب لتجلت لك العبر، وقرأت علوم المبتدإ والخبر، ولعلمت أنها تحت قبضة ذي الملك والملكوت، الحي الذي لا يموت، الفرد الصمد، المنزه عن الصاحبة والولد، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح.
العزيز : أي الذي لا ينازعه في ملكه شيء، الحكيم : الذي يفعل أفعاله وفق الحكمة والصواب.
الإيضاح :﴿سبح لله ما في السموات والأرض﴾أي إن ما دونه من خلقه ينزه عن كل نقص، تعظيما له وإقرارا بربوبيته، وإذعانا لطاعته كما قال :﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ ( الإسراء : ٤٤ ).
﴿وهو العزيز الحكيم﴾أي وهو القادر الغالب الذي لا ينازعه شيء، الحكيم في تدبير أمور خلقه، وتصريفها فيما شاء وأحب.