الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ فذكر الحالتين جميعاً :﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ يعني : اللوح المحفوظ ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ : من قبل أن نخلق الأرض والأنفس.
وقال ابن عباس : يعني المصيبة.
وقال أبو العالية : يعني النسَمَة ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إن خلق ذلك وحفظه على الله هيّن.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا محمّد بن مخلد قال : أخبرنا داود قال : حدّثنا عبيد قال : حدّثنا أبو نعيم قال : حدّثنا الربيع بن أبي صالح قال : دخلت على سعيد بن جبير في نفر فبكى رجل من القوم، فقال : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه. قال : فلا تبكِ، فإنّه كان في علم الله سبحانه أن يكون، ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجلّ :﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ الآية.
﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ﴾ : تحزنوا ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الدنيا، ﴿وَلاَ تَفْرَحُواْ﴾ : تبطروا ﴿بِمَآ آتَاكُمْ﴾. قراءة العامّة بمدّ الألف، أي ( أعطاكم )، واختاره أبو حاتم.
وقرأ أبو عمرو بقصر الألف أي :( جاءكم )، واختاره أبو عبيد، قال : لقوله سبحانه :﴿فَاتَكُمْ﴾ ولم يقل :( أفاتكم ) فجعل له، فكذلك ( أتاكم ) جعل الفعل له ليوافق الكلام بعضه بعضاً.
قال عكرمة : ما من أحد إلاّ وهو يفرح ويحزن فاجعلوا للفرح شكراً وللحزن صبراً.
﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ : متكبّر بما أُوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقال ابن مسعود : لأن ألحسَ جمرة أحرقت ما أحرقت، وأبقت ما أبقت، أحبّ إليّ من أن أقول لشيء كان : ليته لم يكن، أو لشيء لم يكن : ليته كان.
قال جعفر الصادق :" يا بن آدم، مالك تأسّف على مفقود لا يردّه إليك الفوت ؟ ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت ؟ ".
وقيل لبزرجمهر : ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت ؟ فقال : لأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة.
وقال الفضيل في هذا المعنى : الدنيا مفيد ومبيد فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد فقد أذن بالرحيل.
وقال الحسين بن الفضل : حمل الله سبحانه بهذه الآية المؤمنين على مضض الصبر على الفائت، وترك الفرح بالآتي، والرضا بقضائه في الحالتين جميعاً.
وقال قتيبة بن سعيد : دخلت بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء من الأرض مملوء من الإبل الموتى والجيف بحيث لا أُحصي عددها، فسألت عجوزاً : لمن كانت هذه الإبل ؟ فأشارت إلى شيخ على تلّ يغزل صوفاً، فقلت له : يا شيخ ألك كانت هذه الإبل ؟ قال : كانت باسمي. قلت : فما أصابها ؟ قال : ارتجعها الذي أعطاها. قلت : وهل قلت في ذلك شيئاً ؟ قال : نعم :
لا والذي أخذ [. . . ] من خلائقهوالمرء في الدهر نصب الرزء والمحنِ
ما سرّني أنّ إبْلي في مباركهاوما جرى في قضاء الله لم يكنِ
وقال سلم الخوّاص : من أراد أن يأكل الدارين فليدخل في مذهبنا عامين ؛ ليضع الله سبحانه الدنيا والآخرة بين يديه. قيل : وما مذهبكم ؟ قال : الرضا بالقضا، ومخالفة الهوى. وأنشد :
لا تطل الحزن على فائتفقلّما يجدي عليك الحزنْ
سيّان محزون على ما مضىومظهرٌ حزناً لما لم يكنْ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى