البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ثم بين تعالى الحكمة في إعلامنا بذلك الذي فعله من تقدير ذلك، وسبق قضائه به فقال :﴿لكيلا تأسوا﴾ : أي تحزنوا، ﴿على ما فاتكم﴾، لأن العبد إن أعلم ذلك سلم، وعلم أن ما فاته لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فلذلك لا يحزن على فائت، لأنه ليس بصدد أن يفوته، فهون عليه أمر حوادث الدنيا بذلك، إذ قد وطن نفسه على هذه العقيدة.
ويظهر أن المراد بقوله :﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ : أن يلحق الحزن الشديد على ما فات من الخير، فيحدث عنه التسخط وعدم الرضا بالمقدور.
﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ : أن يفرح الفرح المؤدي إلى البطر المنهي عنه في قوله تعالى :
﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ فإن الحزن قد ينشأ عنه البطر، ولذلك ختم بقوله :﴿ولله لا يحب كل مختال فخور﴾.
فالفرح بما ناله من حطام الدنيا يلحقه في نفسه الخيلاء والافتخار والتكبر على الناس، فمثل هذا هو المنهي عنه.
وأما الحزن على ما فات من طاعة الله، والفرح بنعم الله والشكر عليها والتواضع، فهو مندوب إليه.
وقال ابن عباس : ليس أحد إلا يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبراً، ومن أصاب خيراً جعله شكراً.
انتهى، يعني هو المحمود.
وقال الزمخشري : فإن قلت : فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح.
قلت : المراد : الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر، والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر.
فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس به. انتهى.
وقرأ الجمهور : بما آتاكم : أي أعطاكم ؛ وعبد الله : أوتيتم، مبنياً للمفعول : أي أعطيتم ؛ وأبو عمرو : أتاكم : أي جاءكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى