الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله :﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ﴾ معناه : فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به ؛ ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، و﴿ولا تفرحوا﴾ الفَرَحَ المبطر ﴿بما آتاكم﴾ منها، قال ابن عباس : ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبراً، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكراً ؛ وفي«صحيح مسلم » عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه ﷺ يقول :" مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ "، وفي «صحيح مسلم » عن عائِشَةَ قالت : سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول :" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ "، وفي «صحيح مسلم » عن أبي هريرةَ قال : لَمَّا نَزَلَتْ :﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ :" سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا "، انتهى. وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فاللَّه المسؤول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه.
وقوله تعالى :﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ : يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى